خبر
أخبار ساخنة

لقاء مع "صدّام حسين" (1)


اكتشفت في البدروم المهجور لفيللا عائلتي "آلة الزمكان" التي اخترعها جدي ولم يخبر بها أحداً، وكل ما عليك هو أن تضبط مؤشر الزمان ومؤشر المكان حتى تنتقل إلى حين وإلى حيث ما تريد فقررت أن استغل هذه الآلة لتحقيق مجدٍ صحفي بمقابلة مشاهير الأرض على مر العصور لمعرفة الظروف التي دعتهم لاتخاذ أهم القرارات في التاريخ، ولكي أجبر كلاً منهم على قوْل الحقيقة دون مواراة كنت أتنكّر على هيْئة "عزرائيل" المعروف للناس فأدهن بعض وجهي بصبغةٍ سوْداء وأرتدي رداءاً أسود يغطّي رأسي وباقي جسمي وأحمل منجلاً طويلاً وأختار وقت لقاء الواحد منهم بعد منتصف الليل ليكون نائماً بمفرده فأوقِظه على منظري الرهيب وأطلب منه بصوْتٍ أجشٍ خشن أن يجيبني على أسئلتي بصراحة وإلا حصدت روحه في الحال فلا يسعه إلا أن يصْدِقني القوْل محاولاً الإفلات من الموْت وقد ارتعدت فرائصه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرئيس العراقي السابق صدام حسين وهو يمسك ببندقية ويطلق منها الرصاص احتفالاً


لقاء مع "صدّام حسين" (1)

 

 

بعد أن انتهيْتُ من تنكُّري على هيْئة "عزرائيل" حملتُ منجلي الطويل ونزلتُ لبدروم الفيللا ثم ولجتُ داخلَ آلة الزمكان فضبطتُ مؤشِّرَ المكان على حُجرة نوْم الرئيس العراقي السابق "صدّام حسين" الكائنة بالقصر الجمهوري بالمنطقة الخضراء بالعاصمة "بغداد"، أمّا مُؤشِّر الزمان فقد وضعتُه على فجر يوْم الثُلاثاء 22 يوليو 1980 ، أي بعد مرور عامٍ كاملٍ على مذبحة "قاعة الخُـلْد" التي وقعت في مثل نفس ذلك اليوْم عام 1979 .

وعند انتقالي إلى هُناك ألفيْتُ ذاك الزعيم الميجالومانياك (المهووس بجنون العَظَمة) – كمئاتٍ غيْره من الحُكّام العرب الذين تناوبوا على مُمارسة ضلالاتهم النفسيّة على شعوبهم البائسة – نائماً مُضطرِباً وهو عابسُ الوَجه يكِزُّ (يجِزُّ) على أسنانه بشدّةٍ لدرجة أنني سمعتُ لأسنانه وضروسه صَريفاً (صريراً) عالياً، وللحق فقد انتابتني قشعريرة الخوْف وأنا أراهُ على هذه الحال قبل أن أستجمعَ شجاعتي ورِباطة جَأشي كي ألكزه في صدره الذي كانَ يتردَّدُ بسُرعةٍ وعُنف ما بين شهيقٍ وزفير، فما لبثَ الرجُل أن انتفضَ جالساً على فراشه وهو يفرُكُ عيْنيْهِ بقوّةٍ وحملقَ فيَّ وصاح في وجهي صارخاً:

-       مَن؟!

فلمَمتُ شَتاتَ نَفسي وأجبته وأنا أُحاولَ أن أبدوَ مُتماسِكاً:

-       ألم تعرف شكلي وهيْئتي بعد؟

حينئذٍ اكفهرَّ وجهُه واحمرّت عيْناه وانعقدَ حاجباه حتّى كادا أن يتلاقيا وزمَّ شفتيْه وانفجرَ وهو يُرغي ويُزبِدُ في غضبٍ عارمٍ جارف:

-       أتُمازحُني يا هذا؟!! .. ألا تعرف عاقبةَ ما فعلت؟

وفكّرتُ سريعاً فأيْقَنتُ أنني لا بُدَّ أن أُواجِه ذلك الرجُل الشَرِس بلُغة العُنف والتهديد التي لا يعرف غيْرَها فلا يفِلُّ الحديدَ إلّا الحديد؛ فرفعتُ صوْتي وأنا أُنذِره مُتوعِّداً إيّاه:

-       يبدو أنك لا تعرف حدودك يا هذا وستجعلُني أقبضُ روحك الآن أيُّها الإنسي الفاني الهالِك.

وسُرعانَ ما تبدَّلت أحوالُه فاسترخت أساريره ولانت شكيمته وحلَّت أمارات التضرُّع والاسترحام محل الغضب والاهتياج، وقال متوسِّلاً:

-       أتقصِدُ أنك مـ .. ممـ .. مَلَكُ الموْت؟ .. اغفر لي سيّدي .. أرجوكَ أن تُسامحني .. فأنا أتناولُ عقاقيرَ مُهدِّئةً قويّة تجعلُني صعبَ المراس سريعَ الغضب ولم أتعرّف عليك رغم جَلاءِ هَيْئتِك وجَلالِ هَيْبتِك .. ولكن .. آآآ .. هل آآ .. هل جاءَ أجَلي الآن .. أأأ .. أرجو أن تُكاشِفني فأنا رجلٌ مؤمنٌ بالله راضٍ بقضائه عزَّ وجل .. ها؟

فقُلتُ له وقد هدأتْ أعصابي وأردتُ أن أستدرِجَهُ في البوْحِ بأسراره التي غاضت داخل أعماقه أملاً في الفوْز بما أُريد:

-       لا .. إطمئِن .. لم تحِن ساعتُك بعد .. فلكل أجَلٍ كتابٌ لا يعلمه إلّا الله فهو وحدُه الذي يمحو ما يشاءُ ويُثبِتُ وعِندَهُ أُمُّ الكتاب .. ولكن .. أأنتَ بالفِعلِ مؤمنٌ كما يَجِب؟ .. وهل من الإيمان أن تفعلَ ما فعلت وأنت حاكِمٌ لـ"العراق" جُمجمةِ العرب وكَنز الرجالِ ومادّة الأمصارِ ورُمح اللهِ في الأرض وحَربةِ الإسلام وحصنِ الثغور؟

-       ماذا فعلت؟ .. لم أفعل سوءاً منذ جئتُ لحُكمِ بلدي العام الماضي فقط.

-       بل فعلتَ الكثير وستفعلُ ما هو أكثر .. إلى أن تُؤخَذَ روحُك في موْعدها المعلوم .. يبدو أنك من النوْعِ الذي يُيرِّر لنفسه القتلَ والظُلمَ والاستبداد.

-       أنا؟! .. أستميحُك أن تُصارِحني بقصدِك تحديداً.

-       أقصِدُ ما بدرَ منك في مثل هذا اليوْم منذ عام .. بعد أن تولَّيْتَ السُلطة بسِتّةِ أيّامٍ فقط .. ها؟ .. تذكَّرت؟ .. مجزرة "قاعة الـ..." ....

-       آآآه .. "قاعة الخُـلْد" .. تقصِدُ الحادثة التى دارت هُناك؟

-       بل المجزرةُ المشؤومة التي أطلقَ البعضُ عليها "مجزرة الرفاق" .. وما تلا ذلك من إسالةٍ للدماء وتنكيلٍ بالأبرياء.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent