خبر
أخبار ساخنة

صوت صفير البلبل | عبد الملك بن قريب الأصمعي | الشرح الكامل بالمفردات والتشكيل

الصفحة الرئيسية






يُحكى أنَّ الخليفة العبّاسي "أبا جعفر المنصور" – وكانَ شديدَ الحِفظِ ذا ذاكرةٍ حديديّةٍ قادرةٍ على حِفظ ما يسمعُه لأوّلِ وهلة – كانَ قد ضَيَّقَ على الشُّعراءِ في خِلافتِه وقلّلَ من عطاياه لهم حيْثُ أعلنَ عن جائزةٍ ثمينةٍ للشّاعر الذي يقولُ قصيدةً جديدةً لم تُسمَعْ من قبل، وكانت الجائزة أن يهِبَ للشّاعرِ وَزْنَ ما كُتبت عليه القصيدةُ ذَهبًا.

وفي كل مرّةٍ ينظِمُ أيُّ شاعرٍ قصيدةً جديدةً ويذهبُ للخليفةِ طامعاً أن ينال جائزته الثمينة يُفاجأُ بعد أن يقرأها ذلك الشاعر بأن الخليفة الماكر يُردِّدُها بعدَهُ قائلاً له في النهاية (بعد أن حفِظَها بيْنه وبيْن نفسَِه دون أن يشعُر الشاعِر بذلك):

-       هذهِ قَصيدةٌ قديمة سمعتُها من قبل ولا تستحقُّ عليها الجائزة.

وكانَ الخليفةُ الخبيثُ لا يكتفي بذلكَ بل يُنادي على غُلامِه – الذي كانَ قادراً على حِفظِ ما يُقرأ على مسامعه من المرّةِ الثانية – ويطلب منه ترديد نفس تلكَ القصيدة التي يدّعي أنها قديمة، ولأن الغلام كان قد سمعها مرّتيْن (من الشّاعر ثم من الخليفة) فلم يكُن يجدُ أيَّ صعوبةٍ في إلقاء القصيدة مُدلِّلاً ومؤكِّداً لقوْلِ خليفته، فتنطلي تلك الحيلة على ذاك الشّاعرُ ويعودُ أدراجه يجرُّ أذيال الخيْبة مُتعجِّباً من ادّعاء الخليفة وغلامه إن قصيدته قديمة وأنهما يحفظانها رغم أنه هوَ مَن ألّفها حديثاً بنفسِه لأوّلِ مرّة.

حاشية: يُقالُ أيضاً أن الخليفة كانت عنده جاريةٌ تحفظ ما تسمعه بعد ثلاث مراتٍ فكانت أحياناً تُشاركُ موْلاها وغُلامه في هذه المؤامرة المحبوكة ضد الشُّعراء.

وبذلك ضاق الشعراءُ ذَرْعًا بما يحدُثُ معهم، فخطرَ على بال الشّاعر القدير "الأصمعي" أن يقومَ بفِعلٍ يؤدِّبُ به "المنصور" على فِعلته بمَن سبقه من الشُّعراء، فألَّفَ قصيدةً جمعَ فيها ألفاظاً غريبةً عديدةً وجعلها آية الأدب، ثم توجّه بها للخليفة الذي فشل هو وغلامه في حفظها وترديدها لصعوبة كلماتِها وتَداخُلِ حروفِها رغم أن "الأصمعي" أعادها (شفويّاً .. وقد كان قد حفظها عن ظهر قلب لأنه مؤلِّفها الأصلي) عليهما عدّة مرّات، وبذلك استحقَّ الجائزة واحترام الجميع.

والجدير بالذِكر أن الخليفة عندما فشل في حيلته الماكِرة أُسقِطَ في يدِه وطلبَ من "الأصمعي" القراطيس (الصفحات الورقيّة) التي كُتبت عليها القصيدة ليزنها ويمنحه ذهباً بنفس وزنها ولكن "الأصمعي" صدمَ الخليفة عندما قال له:

-       لقد وَرِثتُ  عمودَ رُخامٍ من أبي وقد كتبتُ القصيدةَ عليه.

فأمر الخليفة جنودَه بإحضار العمود الرُخامي حتى يتم وزنه ومقايضة مقدار ثِقَلِه بالذهب، وبعد فترةٍ أُحضِرَ العمودُ محمولاً بواسطة عشرةِ من الجُند، وتمّت عمليّة الوزن والمُقايضة وأخذ "الأصمعي" العديد من صناديق الذهب مُقابل شِعره الفريد، وقبل أن ينصرف بتلك الغنيمة المهولة اغتاظ منه الخليفة "المنصور" وطلب منه رَدَّ الذهب ولكن "الأصمعي" قالَ وهو يرفعُ سبّابته اليُمنى ويبتسِمُ ابتسامةً ذاتَ معنى:

-       لن أُعيده لجلالتك إلّا بشرط: أن تُعطي الشُّعراء على قَدْرِ نَقْلِهم ومقولهم.

فأجابه الخليفة ضاحكاً:

-       لك ما تُريد أيُّها الداهية.


صَوْتُ صَفيرِ البُلبُلِ


صَوْتُ صَفيرِ البُلْبُلِ

هَيَّجَ (أحدثَ شجناً) قَلْبِيَ الثَمِلِ (النَشوان)

المَاءُ وَالزَّهْرُ مَعَاً (يُشبِّهُ الشاعر مَحبوبتَهُ بأن وجهَها كالبُستان الذي يحوي الماء والورود)

مَعَ زَهرِ لَحْظِ المُقَلِ (الجانب الخارجي من أطراف العيون ناحية الخَد)

وَأَنْتَ يَا سَيِّدَ لِي (يقصُدُ سيّده الخليفة)

وَسَيِّدِي وَمَوْلَى (مالِك) لِي

فَكَمْ فَكَمْ تَيـَمُّـنِي (أي كَمْ كان تعلُّقي شديداً بالمرأةَ التي أُحِّبُها)

*****

غُزَيِّلٌ (غَزالٌ صغير) عَقَيْقَلي (تصغير عقيق وهو حجرٌ كريمٌ لوْنه أحمر)

قَطَّفْتُه مِنْ وَجْنَتِهِ (خَدِّه أي خَد الغزال الصغير)

مِنْ لَثْمِ (تقبيل) وَرْدِ الخَجَلِ (أي أنه يُشبِّه خديْها اللتان تشوبهما حُمرة الخجل بزهورٍ قام بقطْفها)  

فَقَالَ (يقصُد الغزال الصغير): "بَسْ (كفي – حسبُك) بَسْبَسْتَنِي (أجبرتني على السُرعة)"  

فَلَمْ يَجُدْ (يتكرّم) بالقُبَلِ (أي لم يُقبّلني بعد أن قال: "كفاكَ تسرُّعاً في تقبيلي")

فَقَالَ: "لا لا لا" .. ثُمَّ: "لا لا لا"

وَقَدْ غَدَا (سار مُبكِّراً) مُهَرْوِلِ (مُسرِع)

وَالخُودُ (الشابّات الناعمات الحِسان .. تلك اللائي شاهدنَ الشاعر يُقبِّلُ الغزال) مَالَتْ طَرَبَاً

مِنْ فِعْلِ هَذَا الرَّجُلِ

فَوَلْوَلَتْ (ولّتْ المرأةُ التي تُشبِه الغزال هاربةً) .. وَوَلْوَلَتْ (صاحَتْ بصوْتٍ كالعويل):

"وَليِّ وَليِّ (تقصد موْلاها وولي أمرها الذي تخاف أن يرى تقبيل الشاعر لها) .. يَاوَيْلَ لِي (يا لعذابي وألمي)"

فَقُلْتُ: "لا تُوَلْوِلِي (لا تصرُخي) ..

وَبَيِّنِي (أظهِري) اللُؤْلُؤَ لي (يقصد أسنانها البيْضاء اللامعة التي تظهرُ عند ابتسِامها)"

لَمَّا رَأَتْني أَشْمَطَاً (كهلاً اختلطَ سوادُ شعري ببياضِه الأشيَب)

أُرِيدُ غَيْرَ القُبَلِ

وَبَعْدَها لا أكْتَفِي (أي أرغب فيما هوَ أبعدَ وأكثرَ من القُبلاتِ البريئة)

إلّا بِطِيبِ الوَصْلَ لِي (أو بدوام هذه العلاقة بيْننا وضمان إخلاصها لي)

قَالَتْ لي: "حِينَ كَذَا (في هذه الحالة .. أي إنْ أردتَ تبَسُّمي وحُبّي) ..

انْهَضْ (قُمْ) وَجِدْ (اجتهِد في) بِالنُّقَلِ (المَهرِ .. أي ادفع مهري لأكونَ لك)"

*****

وَفِتْيَةٍ سَقَوْنَنِي (ويستكمل الشاعر هُنا حكايته للخليفة عمّا دار بعد ذلك عندما سقاهُ بعض الفتيان)

قَهْوَةً كَالعَسَلِ لِي (أي قهوةً شهيّة ويُطلِقُ العربُ الأوائل على الخمر قهوةً لأنها تُذهِب الشهيّة للطَعام)

شَمَمْتُهَا بِأَنْفِي

أَزْكَى (رائحتها زكيّة لذيذة) مِنَ القَرَنْفُلِ

فِي وَسْطِ بُسْتَانٍ حُلِي (تم تجميله وتزيينه)

بالزَّهْرِ وَالسُرُورُ لِي

وَالعُودُ (آلة العود التي كانت موْجودةً في مجلِس الفتيان) دَنْ (صوْتُ وتر العود) .. دَنْدَنَ لي (غنّى لي بصوْتٍ خافِت)

وَالطَّبْلُ طَبْ (صوْتُ الدق على الطبلة) طَبَّلَ لِي (أسمعني صوْت الطَبلة)

طَبْ طَبِ .. طَبْ طَبِ

طَبْ طَبِ .. طَبْ طَبِ لي (نغمات إيقاع الطبلة)

وَالسَّقْفُ (غِطاءُ البيْتِ المسقوف) قَدْ سَقْسَقَ لِي (أصدرَ لي صوْتاً ضعيفاً كصوْتِ العصافير من أثرِ هز الرياح له)

وَالرَّقْصُ قَدْ طَابَ لِي (راقني وأعجبني)

شَوَى (قام بالشواء) شَوَى (شواء) وَشَاهِشُ (الوشاهِشُ: هي نوْعٌ من أنواع الطيور اللذيذة التي تُشوى ويُحبَّذُ شواؤها على ورق فاكهة السفرجل التي تُشبِه الكُمثرى)

عَلَى وَرَقِ سَفَرجَلِ

وَغَرَّدَ القُمْريُّ (نوْعٌ من أنواع الحمام حسن الصوْت منقاره أسود وعيناه برتُقاليّتان وريش ظهره أزرق وعنقه بنفسجي) يَصِيحُ (وهُنا يعترف الشّاعِرُ بأنه مكروهٌ بيْن الناسِ في المدينة فعلى الرغمِ من أنه جميلٌ كالقُمْري إلّا أن تغريده لا يُسمَع رغم صياحه العالي)  

مِنْ مَلَلٍ فِي مَلَلِ (وأنه يعيشُ ويتنقَّلُ في ضجَرٍ وسآمة)  

فَلَوْ تَرَانِي رَاكِباً (أي لو شاهدتَني أيُّها الخليفة وأنا أركبُ حماري في طريقي إليك كي أُلقي عليك بقصيدتي)

عَلَى حِمَارٍ أَهْزَلِ (هزيلٍ ضعيف)

يَمْشِي عَلَى ثَلاثَةٍ (أي ينقصه ساقٌ رابعة)

كَمَشْيَةِ العَرَنْجِلِ (البعير الأعرج الذي يمشي ببُطء)

وَالنَّاسُ تَرْجُمُ (ترمي بالحجارة) جَمَلِي (يقصد حماره البطيئ في سيْره كالجمل)

فِي السُوقِ (مفرد أسواق) بالقُلْقُلَلِ (الأغراض القديمة عديمة الفائدة أو كراكيب بالعاميّة المصريّة)

وَالكُلُّ كَعْكَعَ (توقّفَ بعد إقدام وانحبسَ بعد اندفاع) كَعِكَعَ (تجمَّعَ واحتشد)

خَلْفِي وَمِنْ حُوَيْلَلِي (تصغير حوْلي أي في المُحيط الضيّق من حوْلي)

لكِنْ مَشَيتُ هَارِباً

مِنْ خَشْيَةِ العَقَنْقِلِ (أي فررتُ خائفاً كخوْفِ المُشركين من المؤمنين في تلّة "العقنقل" المجاوِرة لموْقعة "بدر")

إِلَى لِقَاءِ مَلِكٍ (يقصد نيّته في مقابلة الخليفة "المنصور" الذي توقّع أن يلقى منه مُعاملةً كريمةً تليقُ به عكس مُعاملة الناس له)

مُعَظَّمٍ مُبَجَّلِ (مُحتَرَمٍ وقور)

يَأْمُرُ لِي بِخِلْعَةٍ (الثياب التي تُمنح كهديّةٍ أو مِنحةٍ أو عطيّة)

حَمْرَاءُ كَالدَّمْ دُمَلِي (يقصد الثياب الفاخرة ذات اللوْن الأحمر القاني التي تُشبه الدم أو الدُمَّل المُلتهب .. وقد ذُكِرتْ الثيابُ الحمراء بالذّات لأنها كانت ملابسَ الملوك والأُمراء وعِلية القوْم آنذاك)

أَجُرُّ فِيهَا مَاشِياً

مُبَغْدِدَاً (مزهوّاً مُتكبِّراً فخوراً) للذيَّلِ (يقصد ذيْل العباءة الطويل)

أَنَا الأَدِيْبُ الأَلْمَعِي (الذكي اللمّاح الذي يلمع كالنَجم في السماء)

مِنْ حَيِّ أَرْضِ "المُوْصِلِ" (مدينةٌ بـ"العِراق")

نَظَمْتُ قِطَعاً زُخْرِفَتْ (ألَّفتُ أجزاءً تُزيّن قصيدة شِعر)

يَعْجَزُ عَنْهَا الأَدْبُولِي (كل مَن كان عُتُلّاً في الأدب يمتهنه ويتفرّغُ له كعملٍ يتكسَّبُ منه قديماً)

أَقُولُ فِي مَطْلَعِهَا:

"صَوْتُ صَفيرِ البُلْبُلِ"

 

 

عبد المَلِك بن قَريب الأصْمَعي

google-playkhamsatmostaqltradent