أرض الأكاذيب (2)
مع مرور الأيام والأسابيع أصبحَت كلارا معروفةً تقريبًا من جميع طلاب المدرسة الذين كانت تتحدَّث معهم حول جهاز الحاسوب الشخصي الباهظِ الثمن الذي تملكه، وكلبها اللابرادور المدلَّل بُنِّي اللون، وعن كافة مُقتنياتها الشخصية الأخرى. ولكنها لم تكن تدعو أبدًا أيًّا من هؤلاء لزيارتها في المنزل. وفي أحد الأيام جاءت كايلي وآريانا تبحثان عنها لأمرٍ ما.
ونادت كايلي وآريانا على كلارا في بهو المدرسة: «انتظري لحظةً من فضلك يا كلارا.»
سألَتها كايلي بحماسٍ ظاهر: «سيتمُّ إجراء اختبارات للمُتسابقين لتشكيل مُنتخَب في الأسبوع المقبل. فهل ستأتين معنا إلى النادي للمشاركة فيها؟»
فأجابت كلارا على الفور: «لا، لقد لعبتُ رياضة الجمباز بما يكفي حتى الآن. لقد تعبتُ جدًّا بالفعل من مباراة التنافُس ضدَّ رومانيا والولايات المتحدة في السنة الماضية.»
فقالت آريانا: «أعتقد أنك قلتِ لنا إن المباراة كانت ضد فريقَين من الصين والولايات المتحدة.»
وأجابت كلارا بغطرسةٍ وتعجرُفٍ واضحَين: «أوه، نعم، هذا صحيح؛ لقد نسيت بالفعل. أنا لا أشعر الآن بالرغبة في الذَّهاب إلى أي مكان.»
فقالت كايلي وقد شعرَت بالإحباط: «كما تُريدين.» وأخذتا تبتعِدان عنها بسرعة.
وفي وقتٍ متأخر من ذلك اليوم، كانت كلارا تتناول العشاء مع والدَيها. كان يُوجَد على الطاولة الطعام المتوفر في البيت؛ بقايا من شرائح بيتزا وقليلٌ من شرائح لحم العجل المَشوي تمَّ إعدادُها منذ يومين.
وقالت الأم لابنتها: «كلارا، سأذهب الليلة أنا ووالدك للمشاركة في الاجتماع الدوريِّ لأولياء الأمور في المدرسة.»
فأجابت كلارا وهي تشعُر بقلقٍ شديد: «لا يُمكنكما تركي وحيدةً في البيت؛ فأنا لا أتجاوز الحادية عشرة من العمر.»
فأجابت الأم: «على رِسْلِكِ يا ابنتي. لا تكوني ساذجة إلى هذه الدرجة. لقد رتَّبنا لمجيء سيدةٍ تُدعى دانييل جيفري لتهتمَّ بك طيلة فترة غيابنا عن البيت. إنها الشقيقة الكبرى لصديقتك في الصف آريانا وهما على وشك الحضور.»
وفكرَت كلارا قليلًا: «هي وأختها!» وعندما أدركت كلارا ما تقصده أمها شحب وجهها وشعرت بقلقٍ شديد. وبعد عشر دقائق دقَّ جرس الباب، وقامت السيدة جورمان بفتح الباب لتجد دانييل وخلفها شقيقتها الصغرى آريانا.
وبادرت دانييل في القول وهي تمدُّ يدَها: «يُسعدني لقاؤك يا سيدة جورمان. لقد أحضرتُ معي شقيقتي كما طلبتِ.»
فأجابت السيدة جورمان: «عظيم، نحن سعداءُ لموافقتك على العناية بابنتنا خلال غيابنا عن المنزل ولحضور شقيقتك معكِ أيضًا. لم تقم كلارا بدعوة أيٍّ من صديقاتها في المدرسة لزيارتنا في المنزل منذ قدومنا للمدينة منذ شهرَين.»
نظرت كلارا إلى آريانا التي كان يرتسِم على وجهها ابتسامةٌ باهتة ومضحكة. وبعد التحدُّث مع دانييل لبضع دقائق، اقترحت السيدة جورمان أن تذهب كلارا وآريانا إلى غرفة كلارا في الطابق العلوي ليلعبا هناك.
وما إن أغلقت آريانا عليهما الباب تمامًا حتى استدارت ناحيةَ كلارا وهي تقول لها بدون أن تُفكر جيدًا فيما تقوله: «أنتِ كاذبة كبيرة، وغبية في آنٍ واحد! هذا ليس ببيتٍ كبير، ثم أين هذا الحاسوب الباهظ الثمن التي حدَّثتِنا عنه؟ كما أنني لا أرى مغطسًا في فِناء البيت الخلفي، وأين هو كلب اللابرادور البُني اللون؟»
فقالت كلارا: «اممم أنا آه، حسنًا تعرفين أن …» فردَّت آريانا على الفور بغضبٍ ظاهر: «حسنًا. لننسَ هذا الأمر ودَعِينا نتحدَّث في موضوعٍ آخر.»
«ليس من الرائع أن تجعل الناس تُحبك بالكذب عليهم. لقد انفضحَت الكذبة. سأخرج من هنا على الفور.» واندفعَت آريانا بقوةٍ خارجَ غرفة كلارا، وأمضت كلارا ما تبقَّى من المساء تبكي وحدَها في فِراشها. لم تستطع تقبُّلَ فكرة الذَّهاب إلى المدرسة غدًا. كانت متأكدةً من أن آريانا سوف تكشف هذا السرَّ عن قصدٍ أو غير قصد، وسوف يَكرهها الجميع نتيجةَ ذلك.
وبعد ذلك سمعت كلارا والدَيها يدلفان إلى المنزل. كانا يُهمهِمان بشكلٍ غير واضح، ومن ثَم سمعت صوت إغلاق الباب الخارجي، وتناهى إليها صوتُ خطوات والدَيها وهما يصعدان إلى غرفتها بسرعة، ثم وصلا إلى باب غرفتها الذي كان مفتوحًا، ورأت والدها ترتسِم على وجهه بوضوحٍ تعابيرُ صارمة وجدية. تحدَّثَت والدتها في البدء: «اختصاصية في جراحة أعصاب ومهندس معماري يا كلارا؟ لماذا كذَبْتِ على المُعلمة وجميعِ طلاب الصف بشأننا؟ هل تشعرين بالخجل لكون والدك يعمل في تصميم وتركيب الطواحين، ولكوني أعمل مُمرضةً مساعدة في المشفى؟»
وتدخَّل والدها ديفيد في الحديث وقال: «بماذا كنتِ تُفكرين يا ابنتي. لقد شعرْنا بحرجٍ شديد عندما بدأَت مُعلمتُك في التحدُّث إلينا. أعلم أننا نتنقَّل دائمًا بكثرةٍ من مكانٍ إلى آخر بحُكم طبيعة عملي في تصميم وتركيب الطواحين. ولكن …» لم يستطع السيد جورمان أن يُنهِي حديثه؛ فقد شعر بأنه يختنق من شدة الغضب.
وقالت والدتها بلهجةٍ آمرة: «لقد أصبح الوقتُ مُتأخرًا يا كلارا. ارتدي لباسَ النوم واذهبي إلى فراشك، وسوف نتحدَّث حول ذلك في الصباح.» جلسَت كلارا في فِراشها وأخذت تبكي كما لم تبكِ من قبل. وقامت بإطفاء الضوء في غرفتها ونامت وهي لا تزال ترتدي كامل ثيابها.
