خبر
أخبار ساخنة

لغة الآي آي | يوسف إدريس | الورقة بعشرة (1)


رجل يعمل صرافاً في بنك (بانكير) يجلس على مكتبه ووراءه خزنة أموال ضخمة

الورقة بعشرة (1)

 

 

كان صلاح زوجًا، وكانت له ابتسامةٌ، ليست كالابتسامات الحيَّة تُولد طفلة طازجة وتتفتَّح فجأةً على الوجه ثم تزول، ابتسامة كانت لا تظهر ولا تختفي ولا تُولد أو تموت، ولكنّها محنطة على وجهه كالمومياء. وكانت بالضبط تُعبّر عن حياته فهو الآخر يحيا كالمومياء المحنطة، أو على الأقل كان هذا رأيه في نفسه؛ فهو زوجٌ، وهو كمعظم الأزواج ساخط على الزواج، يحسُّ أنَّ حياته المملة الرتيبة تقتله، تميت فيه الحياة بالتدريج.

ولهذا كانت أمانيه.

وهزَّ رأسه وحسرات كثيرة تتبعثر من فمه ومن قلبه. مستحيل. كيف يحتفل بعيد زواجه من روحية. وكيف يهديها شيئًا هي التي لم تفكر في إهدائه إلَّا الكلمات السامة المنتقاة، والشخطات التي لا رحمة فيها ولا عاطفة.

وهكذا لم تَطُل حسراته؛ فقد أعاد العشرة جنيهات إلى الخزانة، وأغلق أدراجه، وكان موعد الانصراف قد حان، فأخذ طريقه إلى الباب، والشارع؛ ومن ثَم إلى البيت وهو يحسُّ بمغص حادً يَنتاب قلبه، ومرارة تملأ نفسه، وكأنَّه ذاهب لقضاء بقية اليوم في السجن المؤبد الذي عليه أن يقضي بقية عمره فيه.

ولكنَّه طوال الطريق كان يُفكّر في الورقة ذات العشرة جنيهات، والإهداء الذي كتبه عليها ويقول لنفسه: نعم .. لا بد أنّ هناك حياةً أخرى .. حياة مليئة بالهدايا، والحفلات، والبسمات.

ومع أنَّه كان فاقد الأمل في حياته تلك وزوجته، إلَّا أنَّه لم يمنع نفسه من تمنِّي شيء: أن تكون روحية قد تذكّرت المناسبة وأعدَّت له مفاجأة، أو على الأقل استعدَّت لتحتفلَ بالعيد.

غير أن المفاجأة التي كانت تنتظره، أنه لم يفاجأ بجديد. فما أن فتح الباب حتى طالعه صراخ الأولاد، وحتى طالعته روحية نفسها واقفة في وسط الصالة، وشعرها واقف يضًا، وهي تُحاول أن تضرب ابنه الأصغر، والولد يصرخ، وهي تصرخ والجدران تَتهاوى وتستغيث، والأبواب تتخبط، ورائحة القلي والطبيخ يتعلّقون برجليه ويتعثر في أرجلهم، وألف مشكلة وكارثة ومطالبة لا بد تنتظره.

إنّها خانقة، تلك الحياة، وتلك الزوجة.

ألا تعرف ما هو اليوم؟

أجل، اليوم، اليوم يوم عشرة واللبّان لم يأخذ نقودَه، وبائع الثلج والأولاد جننوني، ولا شيء آخر؟ لا شيء إلَّا الهم والغم والدروس التي يجب أن تأخذها بنتك قبل الامتحان تنجح. إنَّه يكرهها. إنّها لم تعد امرأة يشتهيها، ولا حتى صديقة يأنس إليها. ما الذي يربطه بها وكل ما بينهما حرب مستعرة مستمرة، وخلاف يتجدّد في كل ثانية. كل يوم يفكر عشر مرات في طلاقها أو الانتحار، وكل يوم لا يطلقها ولا ينتحر، وكل يوم يفكر في حياة جديدة وزواج جديد، وكل يوم لا يُنفِّذ حرفًا واحدًا من القرارات الحازمة الباتِرة التي اتخذها! كل يوم يفكر حتى في خيانتها، وكل يوم لا يخونها. ما الذي يربطه بها، حتى الأولاد، إنه يكرههم من أجلها ويكرهها أكثر من أجلهم، ومع هذا لا يتركهم جميعًا و«يهجٌّ»، ولا يتركونه، ما الذي يُبقي هذه العائلة السخيفة مُتماسكة، وكل ما فيها يتنافر مع كل ما فيها. الخلاف البسيط يؤدي إلى نقار، والنقار إلى شجار، ثم يتطوَّر الأمر ويُغادر المنزل غاضبًا، وحين يصل السلالم تخرج منه الزوجة، وتقطع الشجار وتقول: إياك تنسى تشتري البزازة؟

ويخرج وهو مصمم على ألَّا يعود ولا أن يشتري البزازة. ولكنَّه ما إن يلمح أجزخانة حتى يتوقف، ثم يتصوّر خيبة أملها حين يعود بلا بزازة؛ فيدخل ويشتريها.

لماذا يشتريها؟ ولماذا - وكل ما بينهما حرب - يُراعي شعورها، وتراعي - أحيانًا - شعوره؟ ما كُنه تلك العلاقة الغريبة التي تجمعهما.

لماذا يستسلم لتلك الحياة، لماذا لا يبدأ حياة جديدة، لماذا لا يبدؤها فورًا والآن؟

ولكنه لم يبدأ شيئًا أبدًا، فقد دخل كالعادة، وحلَّ بعض المشكلات، وعقّد بعضها، وتبُودلت بضع زغرات وتلميحات وشتائم، وتغدى، وكالعادة نام، وحين استيقظ بعد الظهر؛ كان قد نسيَ كل شيء عن ١٠ مايو وعيد زواجه، وعشرة الجنيهات وكلماته المكتوبة فوقها بخطَّ أنيق.

ومرَّت الأيام، وهو لا يحسُّ بمرورها. فمن يوم أن تزوج لم يعد يحس بالزمن، وكأنّما فقد ذاكرته، حتى إنّه لا يذكر ماهية نفسه قبل الزواج، وكأنّما وعى فوجد نفسه زوجًا.

مرَّت الأيام وهو دائب الإحساس، أنَّه يذوب ويذوب، ويفقد ذاته ونفسه، حتى فوجئ ذات يوم بشيء استغرب له جدّا.

كان يفحص مبلغًا واردًا إلى البنك، وإذا به يعثر على ورقة من ذات العشرة مكتوب على دائرتها البيضاء: إلى زوجتي العزيزة .. بمناسبة عيد زواجنا الخامس.

ولم يكن الخطُّ خطَّه.

واحتجز الورقة، وظلّ يقرؤها ويضحك من أعماقه.

كان أحدهم - لا ريب - قد ساقت إليه الصدف الورقة التي كتب عليها الإهداء، فظن أن أزواجًا صالحين يُهدون زوجاتهم أورقا كتلك في أعياد زواجهم، ففعل مثلهم، وكانت النتيجة هذه الورقة.

ظلَّ يضحك ويلعن الزوج المغفَّل الذي صدَّق النكتة.

وبعد أن انقشعت موجات ضحكه أحس بشيء قليل من الندم. فقد أدرك أنَّه بطريقة أو بأخرى قد خدع ذلك الزوج، وأنّه قطعًا مسئول إلى حدَّ ما عن تلك الخديعة.

غير أنَّه بمرور الأيام تضاعف ضحكه وتضاعف تأنيبه لنفسه، فقد تبّيَّن أنَّه لم يضحك على زوج واحد فقط، ولكنه خدع كثيرين، فقد وجد إهداءات كثيرة مكتوبة على أوراق بنكنوت من ذوات العشرة والخمسة والخمسين، وأحيانًا المائة. ولم يعد يستطيع كتمان الأمر عن زملائه، فأطلعهم على الأوراق، وحكى لهم القصة، وهو لا يتمالك نفسه. وطبعًا ضحك الزملاء كثيرًا. وتبادَلُوا الضربات على الأكتاف، وقال أحدهم إنّ أعظم زوجة في العالم لا تساوي قرش صاغ واحد، فما بالك بعشرة أو بخمسة أو بخمسين جنيهًا.

وأصبحت المسألة مصدرًا لا ينضب للضحك، فما يكاد يرد إلى صلاح ورقة عليها إهداء؛ حتى يُشير بالورقة إلى زملائه من بعيد، وكأنّما يقول: وآدي مغفل جديد.

ولكن عدد المغفلين كثر بشكل أفقد المسألة ما كانت تثيره من ضحكات، بل كثر بشكل أزعج صلاح نفسه، لقد قرأ يومًا إهداءً وكان موجهًا من زوجة إلى زوجها.

وأصبح تأنيب الضمير على الخدعة التي ابتكرها لا يكفي، أصبح لا بد من التفكير، ما هي حكاية هؤلاء الناس؟ وهل هي مجرد محاكاة لما فعله، أم لا بد أنَّ في المسألة سرّا خطيرًا لا يدريه؟

وكان عليه لكي يكشف السر، إن كان هناك سرِّ، أن يُجرِّب .. وبهرته الفكرة، وأحسَّ لها بحماس شديد.

كان يوم ١٠ مايو قد اقترب، وعام جديد قد أُضيف إلى عمر زواجه، فلماذا لا يفعلها ويُجرِّب؟

أجل، فليُجرِّبها في عشرة جنيهات. ولكن تفكيره ما إن حوّم حول الرقم حتى هبط حماسه في التو. عشرة جنيهات؟! إنّها تكاد تبلغ ثلث مرتبه أو نصفه. إذا كان لا بد من التجربة فليجربها في جنيه مثلا. ولكن، أيصح أن يُهدي زوجته جنيها واحدًا في عيد زواجها. المسألة حتى من الناحية الشكلية مُحرِجة، ولكنَّه إذا نظر إليها من الناحية الأخرى، فإنَّه لا يُمكنه أن يُهديها عشرة جنيهات مرةً واحدة. فهو لا يُهدي زوجته، إنَّه يُهدي غريمه، فلتكن خمسة إذن. تكفي خمسة .. إنَّها كافية جدًا.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent