خبر
أخبار ساخنة

لغة الآي آي | يوسف إدريس | لأن القيامة لا تقوم (1)


طفل ينام مع أخته وأخوه تحت ملة السرير وهو ساهر دون أن يستطيع النوم

لأن القيامة لا تقوم (1)

 

 

إنّه يريد مرة أخرى أن يسمع، ويرهف السمع، فما يدور مهم، أهم شيء في حياته يدور، وراديو الجيران .. الحائط في الحائط، صوته عالٍ كأنه يؤذن، ومن بعيدٍ يأتي صراخ الأطفال الذين لا يزالون يقظى. الدبة وقعت في البير وصاحبها راجل خنزير. هل وقعت حقيقة؟ وهل هي مستكنة الآن في البئر؟ وهل صاحبها خنزير سمين ملظلظ كأبي السباع إسماعيل؟ إنَّه يريد أن يسمع ويرهف السمع، فهي، أمامه ترقد الآن فوقه تمامًا، أو لا بد كذلك، فالمرتبة تنبعج من بين ألواح «الملَّة» الخشبية، ولكن انبعاجها شديد، وأمه خفيفة .. فلماذا الانبعاج الشديد؟ كان هذا زمان، حين لم يكن يسمع سوى الهمس، العشاء .. وابتسامتها السعيدة تغرقهم والطبطبة الحنون، ثم صوتها المتثائب قوموا يا أولاد ناموا .. الدنيا اتأخّرت، وكالدجاج المطيع تُدخلهم. ترفع داير السرير الأبيض وتدخلهم تحته؛ فالبيت حجرة واحدة، ومكانه المفضَّل بجوار الحائط في الصيف؛ فالحائط بارد؛ يلصق نفسه ويلمس عليه بساقه العارية فيستمتع وكأنَّه يجرش قطعة ثلج، ويمضي الصيف ويأتي الشتاء، ويُغيّر مكانه إلى الحافة، وطوال العام هناك البقرة التي لم يَسمعها بوضوح أبدًا؛ لأنّه حين يصحو على وقعها الخافت، تكون قد لفت، وتكون القهوة قد شطبت ونورها الكهربائي الوهاج قد انطفأ وأظلم الشارع تمامًا، والباب يُزيِّق قليلًا كُلّما فتح، وحين يفتح يسمع الهمس، الهمس والظلام، لا شيء سوى الظلام التام، ونقر كنقط الماء المتساقط من السقف بعد انتهاء المطر، همس همسة أو همستَين كحفيف قميص نومها، أو لعله حفيف القميص يبدو كالهمس ثم يسود السكون .. وتصعد أمه فوق الفراش، فهي وحدها تنام فوق السرير، والسرير واسع يكفيهم جميعًا، ولكنها تصرُّ، من زمن من أيام أبيه حتى أن يَناموا جميعًا أسفل السرير، حتى حين كبروا وبدءوا التململ والشكوى، وقال إنَّ رءوسهم تخبط في «المُلَّة» رفعت أرجل السرير فوق قواعد، وأحضرت نجارًا خصيصًا ليُطيل من قوائم الملَّة، حتى ليصبح ما تحت السرير وكأنَّه حجرة ضيقة حقيقية يلذ له فيها وهو الطفل، والأطفال مغرمون بالعشش والمخابئ وأمكنة الاستخفاء، اللعب والرقاد. وكثيرًا ما شكّلها بخياله، وتصوَّرها خيمة أعرابي في الصحراء، أو خندقا في باطن الأرض، أو مقام شيخ من أصحاب الكرامات .. وبرغم هذا كله كان دائمًا ينقصُه شيء، فكم من مرة اشتاقت نفسه أن ينام في حضنها، وأن تضمَّه مثلما كانت تفعل وأن تسمح له مرة أن ينام معها هناك حيث المرتبة اللينة والملاءة النظيفة .. وفي الليل، في عزّ الليل، كان أحيانًا يدّعي المرض. وبصوت مسموع يَتأوَّه، ولا من أحد يسمع، فإذا سمعت أو ضاقت بآهاته سألته بصوت غير عالٍ ولكنه مملوء بالوعيد والتأنيب .. مالك يا براهيم، فلا يجرؤ حتى على أن يواصل الادِّعاء، ويخرس تمامًا وكأنّما تأوهه كان مجرَّد التماس على استعداد لسحبه فورًا واستنكاره لحظة أن يلمح أن التماسه لم يَلقَ الترحيب. الظلام والحفيف والهمس، ثمَّ الأرق الذي يَنتاب أمه على أثرها، وكأنّما سببه هذا النفس الغريب الذي يحس به قد ملأ الحجرة لحظة أن فتح الباب، أرقٌ لا يستقرُّ معه قرار، فتظلُّ تتقلَّب وتتحوَّل، حتى إنَّ لوحًا من «المُلَّة» سقط على ساق أخته ياسمين، ذات ليلة، وجرحها وصرخت، وصرخ هو الآخر، وحين لم تستجبْ أمه في الحال؛ أصيب بالذعر، فظلّ يصرُخ إلى أن نام مضروبًا. لا بد أنَّه لم يكن أرقًا، لا بد أنَّه كان شيئًا آخر، منذ متى بدأ يعي هذا الشيء الآخر، بالتأكيد ليست الليلة هي المرة الأولى، أول مرة وعى كانت ليلة العيد، كانت قد أخرجتهم من الحجرة لتستحم، وحين دخلوا عليها بعد هذا، وشعرها مبتلٌّ وهي تنفضه لتُجفِّفه، وقميصها النظيف مفتوح .. وصدرها - لأول مرة في حياته يدرك أنَّ لأمّه صدرًا. فلقد رآه ورأى نظرتها وأحسَّ في التوِّ وكان شيئًا في نظرتها يحف به نفس الحفيف المريب، وكأنّما الدنيا تظلم والهمس يعود صادرًا من عينيها ملحًا ومشيرًا إلى صدرها. ووجد نفسه لا يجرؤ على الاستمرار، وانطلق يجري إلى الخارج والأولاد، حيث الدبَّة التي وقعت في البير، ولعب ولعب ولعب، حتى امتلأت عيونه بالتراب، وامتلا رأسه بالتعب، وداخ وعاد .. ودقّ الباب، ودقًّ ولم يفتح له أحد .. وجاء الصوت، صوت أمه، المليء بالوعيد، ما دام اتأخرت، نام على العتبة .. نام على العتبة فعلًا، وكأنّه ينتظر الأمر بفارغ الصبر، ولكنّه حين استيقظ في الصباح وجد نفسه مكانه تحت السرير، وكانت هي .. أمه إلى جواره .. وحين رأته يستيقظ احتضنته وقبَّلته، وقالت له كل سنة وأنت طيب يا براهيم. واستكان لحظتها وهو أسعد أهل الدنيا، كل ما كان يضايقه هو رائحة صابون الاستحمام التي كان يشمها، صادرة عنها، مقترنة – لا يدري لِمَ – بإحساس مخجل محرم، وكاد أن يبدأ يتقلَّب في حضنها ويتدلَّل عليها، ويُمسك يدها ويلفها حول رقبته، ثم يلعب في أصابعها السمراء من الخارج القمحية من الداخل، ويُقبِّل كفها، ثم يُقبِّل كل أصبع من أصابعها على حدة، من عمر طويل لم يفعل هذا، فمن عمرٍ طويل لم ينمْ بجوارها، ولكنّه ما إن بدأ يتمرَّغ في حضنها حتى أحس بصدرها يضغط بشدة على ظهره، ليس ضغطًا شديدًا، وإنَّما ضغط الكتلة من اللحم الحي. وصدرها الحي مع رائحة الصابون وعرقها الخاص والهمس في الظلام، وجد نفسه يغتاظ إلى درجة البكاء وتسقط دموعه في صمت على يدها الملتفة حوله فتسحبها كالملسوعة، وحين تدرك أنّه حقيقة يبكي، تضمه إلى صدرها بشدة أكثر. وكلّما اشتدت في ضمها وضغطها أحسَّ أنَّه يريد أن يتخلَّص منها ويجري هاربًا إلى الأولاد والدبة وصاحبها الخنزير .. ولكنه حين يدرك أنّ الليل ذهب، وأنّ هناك صباحًا، واليوم يوم العيد، حيث يُعيِّد كل الأولاد، ويأخذون العيدية ويفرحون، بكى ولم يسكت إلّا إثر هزة شديدة وصرخة منها: مالك يا وله؟ ما له، حقيقة ما له، ماذا حدث؟ لا شيء حديث، لا شيء يُبكيه، فلماذا هو حزين؟ لماذا هو حزين؟ أمن جلسة أبي السباع إسماعيل التي أصبحت تطول، والقرش الذي يعطيه إياه كل مرة ويرسله ليشتري لنفسِه كرامللة، حتى لو لم يكن يُريد يصرُّ على إرساله، وهو خائف أن يخرج ويترك أمه بمفردها معه، فإذا تلكًا، جاءه الصوت الآمر منها: اسمع كلام عمك إسماعيل يا برهيم .. وينظر برهيم في عينيه، وكأنَّما ليطمئن قبل مغادرة الحجرة، ولا يستطيع أن ينظر فيهما أكثر من ومضة، لا لخوفه منه ومن جسده الهائل الضخم، ويده السميكة في سمك مخدة أخيه الصغير، فقد كان يكرهه، ولكن لأنّ في عينيه نفسها شيئًا متحركًا غير ثابت، نظرة خائنة لا تستقر .. تختلط الخيانة فيها بالسخرية، سخرية جافة خشنة كظهر الليفة، يقشعر لها جسده، وتُدميه .. سخرية بلا خفة دم، سخرية السمين التخين الذي يتجشّأ عقب كلِّ مرةٍ يناوله فيها كوب الماء ليشرب، ثم يُكمل الحديث بصوته الخشن الرنان، وآه لو مال على أذن أمه وهمس. همس مُتحشرجٍ .. كهمس الزوران، يحسُّ برهم أنّه يخرج من فمه وينتشر كالدخان القابض الخفي من حجرتهم وفي حياتهم يملؤها بأثر جارح غير مريح باعث على الخجل، ولماذا عمه أبو السباع إسماعيل بالذات، ألأنّه يزورهم؟ هناك عشرات الرجال يأتون، وعشرات يُسلّمون على أمه ويُحيونها ويهمسون لها، وأحيانًا يعطيه أحدهم قرشًا، إنّما لماذا هذا الرجل بالذات؟ وأمه تضحك مع الكل وتُجالس الكل .. فقط مع أبي السباع إسماعيل يحس كأنَّ التيار الخفي الذي يَربطه بها باستمرار حتى لو غابت أو سافرت أو نامت، فاتصاله بها دائمًا قائم وموجود، حين تجلس أو تُحدِّث أبا السباع. يحس فجأة وكأنَّ التيار قد انقطع ولم تعد تشعر به، ولكن شعوره هو بها يزداد إلى حد الجنون .. إلى حد أنّه يمنع نفسه منعًا من أن يمسك بعصا أبيه ويدفعها لتستقرَّ في عينيها، أو فجأة يخلع كل من ملابسه ويقف أمامها عاريًا تمامًا لتدرك أنّه موجود، والحياة كانت سهلة وعذبة ولذيذة، يحب كل ما فيها، يحب اجتماعهم حول الطعام بعد الجوع الشديد، حيث يجلس فرحًا بالطعام وباجتماعهم هو وأمه وأخته وأخيه الصغير ذي الأربعة أعوام الذي لا يزال يتهته ليخرج الكلام، وتعلَّق أمه بهم جميعًا، وبه على وجه خاص .. والشاي بالحليب في الصباح، وفسحة الخص والعصاري مع الترمس على البحر، والجلسة على الحشيش في قلب المنتزه .. ما أجملها حتى لو جاءت سيرة أبيه .. حين يتولى أمه وجوم يخاف معه أن تبكي .. ويتبارى الحاضرون في تعداد صفاته .. حتى لكأنّهم يتحدَّثون عن شيخ من أولياء اللّٰه .. وفي الحديث عن قوته، وكأنّه كان عنتر بن شداد!

أجل .. شيئًا فشيئًا، بدأت الكلمة التي كان يأخذها على غير محمل محدد يتكوَّن لها في ذهنه معنى، مات، أغلق عينيه إلى الأبد، واصفر وجهه وبرد .. ولفوه في كفن .. ودفنوه .. لقد رأى هذا كله، ولكن لم يبدأ يفهم معناه .. مثله مثل الهمس في الظلام والحفيف، وقولهم البركة في برهم، إلّا هناك حيث وقعت الدبة في البير، أشياء كانت مغطاة بطريقة لا يفهم لها معنى، ثم بدأ يسقط عنها الغطاء ويصبح إن لم يكن معنى واضح، فلا أقل من شيء خفي عميق مُظلم كفوهة البئر الذي سقطت فيه دبة ذلك الخنزير .. حتى غناء الأولاد والبنات كان في تلك الليلة بلا معنى، هكذا أحسَّ، رغم ما كانوا هم فيه من متعة كبيرة، كان هو وحده يحسُّ أن الأغنية، بل حتى اللعب كله أصبح بلا معنى، شدَّه صاحب ورشة الدوكو الذي يعمل عنده من أذنه ولعن أباه: ياد انت كبرت وبلغت ومابقيتش عيل .. ما نتاش عاجبني كده، طول النهار موطي لي في الأرض كدة، إيه اللي كاسر عينك ياد .. أوع يكون تشومبة بيعلِّم عليك!

وفهم جيدًا ما يُريد أن يقوله الأسطى .. وأحسَّ بلسعة نار تكويه وتجنُّه.

-        ما تقولشي كدة تاني يا اسطى!

لم يدرِ كيف جرؤ وقالها!

وصحيح أنَّ وجهه قد تورَّم من الضرب بعدها، باعتبار أنَّه ردَّ على الأسطى الكبير وتلك جريمة لا تُغتفر .. إلَّا أنَّه فوجئ بنفس الأسطى، بعدما شبع من صفعه وركله، يقول لأصحابه الذي يشربون الشيشة: إنَّما إيه رأيكم؟ عجبني .. رد عليَّ صحيح إنَّما عجبني .. والنبي الواد ده ح يطلع أجدع من تشومبة!

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent