ثُمَّ لم يبقَ أحدٌ | الفصل الثاني عشر
انتهت الوَجبة، وتنحنحَ القاضي “وارغريف” وقالَ
بصوْتٍ خافِتٍ وبنبرةِ مَن يُمارِسُ سُلطته:
- أعتقدُ أن من المُناسبِ أن نجتمعَ لبَحثِ الموْقِف، ليكُن هَذا
خِلالَ نِصفِ ساعةٍ في غُرفةِ الجلوس.
همهمَ الجمَيعُ موافقين، وأخذت “فيرا” تجمعُ
الأطباقَ وقالت:
- سأُنظِّفُ الطاولةَ وأغسِلُ الأطباق.
فقالَ “فيليب لومبارد”:
- سنُساعدُكِ بنَقْلِ الأشياءِ إلى المطبخ.
- شُكراً.
ونهضت “إميلي برنت” على قدميْها ثُمَّ عادت
وجلست وقالت:
- يا إلهي!
قالَ القاضي:
- ما الأمرُ يا آنسة “برنت”؟!
فقالت “إميلي برنت” بنبرةِ اعتذار:
- أنا آسفة؛ كُنتُ أوَدُّ مُساعدةَ الأنسة “كلايثورن” ولكني لا
أعرفُ ما الأمر!، أشعرُ بشيْءٍ من الدوار.
فتحرَّكَ الدُكتور “آرمسترونغ” باتجاهِها وهوَ
يقول:
-
دوار؟ .. هَذا طبيعي،
صدمةٌ مُتأخِّرة، أستطيعُ أن أُعطيَكِ شيْئاً لــ.....
-
كلّا.
انفجرتِ الكلمةُ من بَيْنَ شفتيْها كالقُنبلة،
وفوجئ الجميعُ بردِّ فِعلها هَذا وتحَوَّلَ وجهُ الدُكتور “آرمسترونغ” فباتَ شديدَ
الاحمرار. كانَ الخوْفُ
والشَّكُ باديَيْن بوضوحٍ شديدٍ على وجهِها فقالَ الدُكتور مُتشنِّجاً:
-
كما تشائين يا آنسة “برنت”.
قالت:
-
لا أريدُ أن أتناولَ
شيْئاً، لا شيءَ على الإطلاق، سأجلسُ هُنا بهدوءٍ حتّى يزولَ الدوار.
فَرِغوا من إعادةِ ترتيبِ الطاولةِ وقالَ “بلور”:
-
أنا أُحبُّ العملَ
المنزلي، سأُساعدُكِ يا آنسة “كلايثورن”.
قالت “فيرا”:
-
شُكراً.
بقيَت “إميلي برنت” جالسةً وحدَها في غُرفةِ
الطَعام، وتناهى إليها لبعضِ الوقتِ صوْتُ همهمةٍ خفيفةٍ في المطبخ، كانَ الدوارُ ينقشعُ
في تِلكَ اللحظة، وأحسّت ببعضِ الخَدَرِ كما لَوْ كانت على وشكِ النوْم، أحسّت
بطنينٍ في أُذُنَيْها، ولم تعرفْ إنْ كانَ هَذا شيْئاً في داخلِ رأسِها أم أنه
طنينٌ حقيقيٌّ من الغُرفة، قالت لنفسِها: "كأنها نحلة .. نحلةٌ طنّانة"!، ثُمَّ شاهدَتْ
النحلةَ التي كانت تزحفُ على زُجاجِ النافِذة، وتذكَّرَتْ أن “فيرا كلايثورن” تحدّثَتْ عن النحلِ في
الصباح، النحلُ والعسل ... كانت تُحِبُّ العسلَ وتحبُّ أن تأخذَهُ من القُرْصِ وتُصفّيه
قطرةً قطرة.
ورُغماً عنها بدأت الحقائقُ تختلطُ في ذِهنها،
فرأت أن في الغُرفةِ شَخصاً .. شخصاً مُبتَلّاً وثيابَه تقطُرُ ماءً ... “بياتريس
تايلور” جاءت من النهر! .. كُلُّ ما كانَ عليْها هوَ الاستدارةُ برأسِها لتستطيعَ
رؤيتها، ولكنها لم تكُن قادرةً على الاستدارةِ برأسِها!، تمنّت لَوْ أنها تستطيعُ
أن تصرُخَ مُستنجِدة، ولكنها لا تستطيعُ الصُراخ!، لم يكُن في البيْتِ أحد، كانت
وحدها تماماً.
سمعَت صوْتَ أقدامٍ خَلفَها .. أقدامٍ تزحفُ
بهدوءٍ قادمةً من خَلفِها، ظنّتها الخطواتِ المتعثرةَ للفتاةِ الغارقة، وسرَت
رائحةُ رطوبةٍ نفّاذةٍ عبْر أنفِها، وعلى إطارِ النافذةِ كانت النحلةُ تَطِنُّ وتَطِن،
ثُمَّ شعرت بالوَخزة؛ لقد لسعَتها النحلةُ في جانبِ عُنُقِها!
*****
كانوا في غُرفةِ الجلوسِ ينتظرونَ “إميلي برنت”،
وقالت “فيرا”:
-
هَلْ أذهبُ وأُناديها؟
فقالَ “بلور” بسُرعة:
-
انتظري لحظةً فقط.
جلست “فيرا” ثانيةً، ونظرَ الجميعُ إلى “بلور”
مُستفسرينَ فقال:
-
انظروا إليَّ جَميعاً؛
أنا أرى أننا لَسنا بحاجةٍ إلى البحثِ عن مُرتَكِبِ هَذهِ الجرائمَ لأبَعدِ من غُرفةِ
الطَعامِ في هَذهِ اللحظة، أنا مُستعِدٌّ للقَسَمِ أن تِلكَ المرأةَ هيَ مَن نبحثُ
عنه.
فقالَ “آرمسترونغ”:
-
هَذا مُحتَمَّلٌ
تماماً ولَيْسَ لديَّ اعتراضٌ على ذلك، ولكن لَيْسَ لديْنا أيُّ دليلٍ بالطَبع.
فقالت “فيرا”:
-
كانت في حالةٍ غريبةٍ
جِدّاً عِندَما كُنّا في المطبخِ نُعِدُّ الإفطار، كانت عيْناها....
وأخذت “فيرا” ترتجفُ فقالَ “لومبارد”:
-
لا يُمكِنُ الحُكْمُ
عليْها بسبب هَذهِ الحالة، نَحنُ جَميعاً لسنا بحالةٍ طبيعيّةٍ الآن
قالَ “بلور”:
-
يوجدُ شيءٌ آخر، فهي
الوحيدةُ التي لم تُقدِّمْ تَفسيراً حَوْلَ التسجيلِ في مُكبِّرِ الصوْت، فلماذا؟
.. لأنه لَيْسَ لديْها تفسيرٌ تُقدِّمُه.
تحركَّتْ “فيرا” في مقعدِها وقالت:
-
هَذا لَيْسَ صحيحاً
تماماً؛ لقد أخبرَتني فيما بَعد.
فقالَ “وارغريف”:
-
بمَ أخبرَتكِ يا
آنسة “كلايثورن”؟
أعادت “فيرا” عليْهم قِصّةَ “بياتريس تايلور”،
فعلّقَ القاضي “وارغريف” قائلاً:
-
هَذهِ قِصّةٌ واضحةٌ
تماماً، وأنا شخصياً لا أجدُ صَعوبةً في تصديقها، أخبريني يا آنسة “كلايثورن”: هَلْ
بدا عليْها قلقٌ بسببِ إحساسِها بالذنبِ أو الندمِ بسببِ الأسلوبِ الذي تصرّفَتْ
به في هَذا الموضوع؟
-
لا شيْءَ من ذلك،
كانت غيرَ مُتأثِّرةٍ أبداً.
فقالَ “بلور”:
-
إن لها قلباً كالحجر،
يا لهؤلاءِ العوانسِ المُتزمِّتات!، إنه الحسدُ غالباً.
قالَ القاضي “وارغريف”:
- الساعةُ الآنَ الحاديةُ عشرةٍ إلّا خمسَ دقائق، أعتقدُ أن عليْنا
استدعاءَ الآنسة “برنت” للانضمامِ إلى اجتماعنا.
فقالَ “بلور”:
- ألن تفعلَ شيْئاً؟
قالَ القاضي:
- لا أعرفُ ما الإجراءُ الذي يُمكِنُنا اتخاذه، فشكوكُنا – حالياً
– مُجرَّدُ شكوك، ولكني سأطلبُ من الدُكتور “آرمسترونغ” مُراقبةَ تصرُّفاتِ الآنسة
“برنت” مُراقبةً دقيقة، دعونا نذهبُ الآنَ إلى غُرفةِ الطَعام.
وجدوا “إميلي برنت” جالسةً على نفسِ الكُرسي
الذي تركوها عليْه، ومن الخَلفِ لم يظهرْ أيُّ شيْءٍ غيْرُ عاديٍّ باستثناء أنها
بدت وكأنها لم تسمعهم وهم يدخلونَ الغُرفة، ثُمَّ رأوا وجهَها غارقاً في الدمِ معَ
شفتيْنِ زُرقاويْنِ وعيْنيْنِ جاحِظتيْن!، وهتفَ “بلور”:
- يا إلهي ... إنها مَيّتة!
*****
قالَ القاضي “وارغريف” بصوْتِه الهادئِ
الخفيض:
- شخصٌ آخر من بَيْنَنا تتّضِح براءته، ولكن بَعدَ فواتِ الأوان.
انحنى “آرمسترونغ” فَوْقَ المرأةِ الميّتةِ
فشَمَّ شَفتيْها وهزَّ رأسَهُ ثُمَّ تفحَّصَ أجفانَها، وقالَ “لومبارد” بنفادِ
صبر:
- كيْفَ ماتت؟ لقد كانت على ما يُرام عِندَما تركناها هُنا!
وانتبهَ “آرمسترونغ” فجأةً إلى علامةٍ على
جانبِ عُنُقِها الأيْمنِ فقال:
- هَذا أثرُ إبرةٍ حُقِنَتْ تحتَ الجِلد.
سُمعَ من جِهةِ النافذةِ صوْتُ طَنينٍ فهتفت “فيرا”:
- انظروا، هَذهِ نحلة .. نحلةٌ طَنّانة!، هَلْ تذكرونَ ما قُلتُهُ
لكَمْ هَذا الصباح؟
فقالَ “آرمسترونغ” بتجَهُّم:
- لم تكُن تِلكَ النحلةُ هيَ التي لسعَتها، بَلْ كانت يَدُ إنسانٍ
تمسِكُ الحُقنة.
فسألَ القاضي:
- ما نوْعُ السُّمِ الذي حُقِنَت به؟
فأجابَ “آرمسترونغ”:
- يُمكِنُني أن أُخمِّنَ مُجرَّدَ تخمينٍ أنه نوْعٌ من السيانيد،
لعلَّه سيانيد البوتاسيوم، نفس السيانيد الذي ماتَ به “أنتوني مارستون”، لا بُدَّ
أنها ماتت مُختنِقةً على الفوْر.
وصاحت “فيرا”:
- ولكنَّ ماذا عن تِلكَ النحلة؟، لا يُمكِنُ أن يكونَ ذَلِكَ مُصادفة!
قالَ “لومبارد” بتجهُّم:
- نعم .. ليْست مُصادفة؛ بَلْ هيَ العَلامةُ المُمَيِّزةِ لذَلِكَ
القاتِلِ بَيْنَنا، ذَلِكَ الوَحشُ العابِثُ يُريدُ الالتزامَ بأُنشودتِه الطُفوليّةِ
الملعونةِ قَدْرَ الإمكان.
للمرّةِ الأولى كانَ صوْتُه أقربُ إلى الصُراخ،
وبدا كما لَوْ أنَّ أعصابَهُ التي ثَبَتَتْ في المخاطرِ والمُمارساتِ الحَرِجةِ خِلالَ
سنواتِ عملِهِ الطويلةِ قد انهارت أخيراً، فقالَ بعُنف:
- هَذا جنون .. جنونٌ مُطلَق، نَحنُ كُلُّنا مَجانين!
قالَ القاضي بهدوء:
- آمَلُ أننا لا زِلنا نملكُ القُدرةَ على التفكير، هَلْ أحضرَ
أحدٌ منكَمْ حُقنةً طِبيّةً معَه إلى هَذا البيْت؟
فنصبَ الدُكتور “آرمسترونغ” قامتَهُ وقالَ بصوْتٍ
غيْر وائقٍ تماماً:
- نعم .. أنا.
اتَّجهَتْ إليه أربعةُ أزواجٍ من الأعيُن،
فاستنفرَ هِمَّتَهُ لمُواجهةِ نظراتِ الشَّكِ العميقةِ في تِلكَ الأعيُنِ وقال:
-
أنا أحمِلُ معَي
واحدةً دائماً في السَفر .. مُعْظَمُ الأطبّاءِ يفعلونَ ذلك.
فقالَ القاضي “وارغريف” بهدوء:
-
هَذا صحيح، فهَلْ لكَ
أن تُخبِرَنا – يا دُكتور – أيْنَ هيَ تِلكَ الحُقنةُ الآن؟
-
في الحقيبةِ في غُرفَتي.
فقالَ “وارغريف”:
-
هَلْ نستطيعُ التأكُّدَ
من هَذهِ الحقيقة؟
وصعدَ الخمسةُ الدَرَجَ بمسيرةٍ صامتة، وهُناك
أُفرِغَت مُحتوياتُ الحقيبةِ على الأرض، ولكن لم تكُن الحُقنةُ هُناك!
*****
قالَ “آرمسترونغ” مُهتاجاً:
-
لا بُدَّ أنّ أحداً
قد أخذَها.
ولكنَّ الغُرفةَ غَرقت في الصَمتِ تماماً،
ووقفَ “آرمسترونغ” وظهرُهُ إلى النافذة، كانت أربعةُ أزواجٍ من الأعيُنِ تُحدِّقُ
إليه مملوءةً بالشَّكِ والاتهام، فنقلَ نظرَهُ بَيْنَ “وارغريف” و”فيرا” وكرَّرَ
بيأسٍ وضعف:
-
أقولُ لكَمْ إنه لا
بُدَّ أنَّ أحداً قد أخذها.
كانَ “بلور” ينظرُ إلى “لومبارد” فنظرَ إليْهِ
بدوْرِه، وقالَ القاضي:
-
يُوجَدُ خمسةٌ مِنّا
في هَذهِ الغُرفة، وأحدُنا هوَ القاتل، إن الموقفَ محفوفٌ بخَطَرٍ مُميتٍ وعليْنا
أن نبذُلَ كُلَّ جُهدٍ لحمايةِ الأربعةِ الأبرياءِ منّا، سأسألُكَ الآنَ يا دُكتور
“آرمسترونغ”: ما هيَ العقاقيرُ الموجودةُ لديْك؟
فأجابَ “آرمسترونغ”:
- لديَّ حَقيبةٌ طِبيّةٌ صغيرةٌ هُنا، يُمكِنُكَ تَفتيشُها، ستجدُ
فيها: بعضَ الحبوبِ المُنوِّمة وتريونال وسلفونال وعلبة برومايد وبيكربونات الصودا
وأسبرين ولا شيءَ آخر، لَيْسَ لديَّ سيانيد.
قالَ القاضي:
- أنا نَفسي لديَّ بعضُ الأقراصُ المُنوِّمة، أعتقد أنها
سلفونال، وأظُنُّ أنها مُميتةٌ إذا أُعطيَتْ بجُرعةٍ كبيرةٍ بما فيه الكفاية، وأنتَ
يا سيّد “لومبارد”: معَكَ مُسدَّس .. ألَيْسَ كذلك؟
فقالَ “لومبارد” بحِدّة:
- وماذا في ذلك؟
- أنا فقط أقترحُ جَمْعَ ما لدى الدُكتور من عقاقيرَ وحبوبِ
السلفونال التي معَي ومُسدَّسِك وأيِّ شيْءٍ له عِلاقةٌ بالعَقاقيرَ أو الأسلحةِ
الناريّة ووَضْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ في مكانٍ آمن، وبَعدَ ذَلِكَ يجبُ أن يخضعَ كٌلٌّ
مِنّا للتفتيش .. تفتيشٍ ذاتي وتفتيشٍ للأمتعة.
قالَ “لومبارد”:
- قَتلَني اللّٰهُ إنْ تخلَّيْتُ عن مُسدَّسي.
فقالَ “وارغريف” بِحدّة:
- سيّد “لومبارد”: أنتَ شابٌّ قويُّ البِنيةِ ولكنَّ المفتِّشَ
السابقَ “بلور” رجلٌ قويُّ البِنيةِ أيْضاً، أنا لا أعرفُ ما قد يُسفرُ عنه صِراعٌ
بَيْنَكما، ولكنَّ بوِسعي أن أقولَ لكَ إننا سنكونُ إلى جانبِ “بلور” لمُساعدتِهِ
بكل ما لديْنا من قوّةٍ إذا أصررتَ على عدمِ تسليمِ مُسدَّسِك، أنا شخصيّاً والدُكتور
“آرمسترونغ” والأنسة “كلايثورن” يُمكِنُكَ – إذن – أن تُقدِّرَ أن الاحتمالاتِ
ستكونُ كبيرةً ضِدُّك نوْعاً ما إذا قرَّرتَ أن تُقاوِم.
دفعَ “لومبارد” رأسَهُ إلى الخَلفِ وكشفَ عن
أسنانِهِ بما يُشبِهُ الزَمجرةَ وقال:
- حسناً .. لا بأسَ إذن مادُمتَ قد حكَّمتَ رأيَك.
فأوْمأ القاضي “وارغريف” برأسِهِ وقال:
-
أنتَ شابٌّ عاقل، أيْنَ
مُسدَّسُك؟
-
في دُرْجِ الطاولةِ
إلى جوارِ سَريري.
-
جيّد.
-
سأُحضِرُهُ لكم.
-
أعتقدُ أنه من
الأفضلِ أن نذهبَ معَك.
فقالَ “فيليب” بابتسامةٍ كانت لا تزالُ أشبهَ
ما تكونُ بالزَمجرة:
-
يا لكَ من شَيْطانٍ
شَكّاك!
وساروا في الممرِّ إلى غُرفةِ “لومبارد”،
وتوجّهَ “فيليب” إلى الدُرْجِ وفتحَهُ بقوّة، ثُمَّ تراجعَ مُطلِقاً سِباباً ساخِطاً
؛ لقد كانَ الدُرْجُ المُجاورُ للسَرير فارغاً!
*****
قالَ “لومبارد” بسَخَط:
-
هَلْ ارتحتم؟
بَعدَها نزعَ ملابسَهُ وتمَّ تفتيشُهُ شخصيّاً
وتفتيشُ غُرفتِهِ بكل دِقّةٍ بواسطةِ الرجالِ الثلاثةِ الآخرين في حين كانت “فيرا كلايثورن”
تنتظرُ خارجاً في الممر، واستمرَّ التفتيشُ بصورةٍ مَنهجيّة، فخضعَ كُلٌّ مِن “آرمسترونغ”
والقاضي و”بلور” إلى التفتيشِ نفسه، ثُمَّ خرجَ الرجالُ الأربعةُ من غُرفةِ “بلور”
وتوجَّهوا إلى “فيرا”، وكانَ القاضي هوَ الذي تكلَّم معَها قائلاً:
-
آمَلُ أن تتفهَّمي –
يا آنسة “كلايثورن” – أنه لَيْسَ بوِسعِنا أن نستثنيَ أحداً، ويجبُ العثورُ على ذَلِكَ
المُسدَّس، لا بُدَّ أنكِ تملكينَ ثوْباً ضَيّقاً إلى حَدٍّ ما، ألَيْسَ كذلك؟
فأوْمأَتْ “فيرا” إيجاباً فقالَ لها:
-
إذَنْ أرجو أن تذهبي
إلى غُرفتِكِ وترتدي ذَلِكَ الثوْبُ ثُمَّ تعودي إليْنا هُنا.
ذهبت “فيرا” إلى غُرفتِها وأغلقَت الباب، ثُمَّ
خرجَت بَعدَ أقلِ من دقيقةٍ وقد ارتدت ثوْباً ضَيّقاً لا يُمكِنُ أن تُخفي مُسدَّساً
تحته، فقالَ لها القاضي:
-
شكراً لكِ يا آنسة “كلايثورن”
على تفهُّمِك، والآنَ أرجو أن تَبقّيَ هُنا ريْـثَما نُفتِّشُ غُرفتَك.
انتظرت “فيرا” بصبرٍ في الممر حتّى خرجوا، ثُمَّ
دخلَت غُرفتَها فارتدت ملابسَها القديمةَ وعادت إليهم حيْثُ كانوا ينتظرون، وقالَ القاضي:
-
الآنَ نَحنُ مُتأكِّدونَ
من شيْءٍ واحد، وهوَ أنه لا توجدُ أسلحةٌ ولا عقاقيرُ قاتلةٌ بحَوْزةِ أيٍّ مِنّا نَحنُ
الخمسة، هَذهِ نُقطةٌ جيّدة، والآنَ سنضِعُ العقاقيرَ في مكانٍ آمن، أظُنُّ أن في
المطبخِ صُندوقاً ذا قُفْلٍ لحفظِ أدواتِ المائدة الفِضيّة، ألَيْسَ كذلك؟
قالَ “بلور”:
-
مُمتازٌ جِدّاً، ولكن
مَن سيحتفظُ بالمفتاح؟، أظُنُّ أنه سيكونُ أنت؟
لم يُجِبْ القاضي، بَلْ نزلَ إلى المطبخِ وتَبِعه
الآخرون، كانَ هُناكَ صُندوقٌ صغيرٌ مُصمَّمٌ لحفظِ أدواتِ المائدةِ الفِضيّة،
وبتوجيهٍ من القاضي وُضِعَتْ العقاقيرُ كُلُّها في ذَلِكَ الصُندوقِ ثُمَّ قُفِل، ثُمَّ
– طِبقاً لتَوْجيهاتِ القاضي أيْضاً – وُضِعَ الصُندوقُ في خَزانةِ الأطباقِ وأُقفِلَت
الخَزانةُ عليْه أيْضاً، وعِندَ ذَلِكَ أعطى القاضي مِفتاحَ الصُندوقِ لـ”فيليب لومبارد”
ومِفتاحَ الخَزانةِ لـ”بلور” وقال:
-
أنتُما الاثنان أقوَانا
جَسديّاً، وسيكونُ من الصعبِ على أيٍّ منكما أخذُ المِفتاحِ من الآخر، وسَوْفَ
يكونُ من المستحيلِ على أيِّ أحدٍ مِنّا – نَحنُ الثلاثةِ الباقين - أن يقومَ بذلك
إذا لجأَ أحدٌ إلى فَتْحِ الخَزانةِ أو الصُندوقِ عُنوةً بطريقِ الكَسْرِ فسيكونُ ذَلِكَ
شاقّاً ومُثيراً للضَجيج، ومن الصعبِ جِدّاً أن يَتمَّ ذَلِكَ دونَ إثارةِ
الانتباهِ لِما يجري.
وتوقَّفَ قَليلاً ثُمَّ أكملَ قائلاً:
-
ولكِنَّنا لا نزالُ
نُواجهُ مُشكلةً خَطيرة؛ ألَا وهي: ماذا حدثَ لمُسدَّسِ “لومبارد”؟
فقالَ “بلور”:
-
يبدو لي أن صاحبَهُ هوَ
الشَخصُ الأكثرُ احتمالاً لمعَرفةِ الجَواب.
ظهرت انبعاجةٌ بَيْضاءُ على أنفِ “لومبارد”
وقال:
-
قُلتُ لك – أيُّها
الأحمقُ العَنيد – أنه قد سُرِقَ مني.
فقالَ “وارغريف”:
-
متى رأيْتَه آخرَ مَرّة؟
-
الليْلةُ الماضيةُ
.. عِندَما ذهبتُ إلى النوْمِ كانَ في الدُرجِ جاهزاً في حالِ حُدوثِ أيِّ شيْء.
أوْمأ القاضي وقال:
-
لا بُدَّ أنه قد سُرِقَ
هَذا الصَباح في أثناء الانشغالِ بالبَحثِ عن “روجرز” أو بَعدَ أن اكتُشِفَتْ جُثّتُه.
فقالت “فيرا”:
-
لا بُدَّ أنه مُخبّأٌ
في مكانٍ ما في البَيْت، يجبُ أن نبحثَ عنه.
ربَّتَ القاضي “وارغريف” على ذَقنِه وقال:
-
أشُكُّ في أن يُسفِرَ
بحثُنا عن أيِّ شيْء، لقد كانَ لدى القاتِلِ الكَثيرَ من الوَقتِ لاختيارِ مخبأٍ مُلائِم،
ولا أظُنُّ أننا سنجدُ ذَلِكَ المُسدَّسَ بسُهولة.
قالَ “بلور” باندفاع:
-
لا أعرِفُ أيْنَ المُسدَّس،
ولكن أُراهِنُ على أنني أعرفُ مكانَ شيْءٍ آخر، أقصِدُ تِلكَ الحُقنة .. اتبعوني.
وفتحَ البابَ الأمامي وسارَ أمامَهم حَوْلَ
البَيْت، وعلى مسافةٍ قصيرةٍ من نافذةِ غُرفةِ الطَعامِ وَجَدَ الحُقنةَ وبجانِبِها
تمثالٌ خزفيٌّ مُحَطَّم .. تمثالٌ سادسٌ لجُنديٍ صغير!، وقالَ “بلور” بارتياح:
-
المكانُ الوحيدُ
الذي يُمكِنُ أن توجَدَ فيه؛ فبَعدَ أن نفَّذَ القاتِلُ جَريمتَهُ فتحَ النافذةَ
وألقى بالحُقنةِ من النافذة، ثُمَّ التقطَ التِمثالَ الخَزَفيَّ من الطاوِلةِ وأَتْبَعَها
به.
لم يكُن على الحُقنةِ بصماتٌ بعدَ أن تمَّ
مسحُها بعناية، وقالت “فيرا” بصوْتٍ حازم:
-
والآنَ دَعونا نبحثُ
عن المُسدَّس.
قالَ القاضي “وارغريف”:
-
بكل تأكيد، ولكن لنبقَ
معَاً في أثناءِ ذلك، تذكّروا أننا إذا افترقَ بعضُنا عن بعضٍ فستكونُ فُرصةً
للقاتل.
ثُمَّ فَتَّشوا البَيْتَ بعنايةٍ من السَطحِ
إلى القبو ولكن دونَ جَدوى وبقيَ المُسدَّسُ مفقوداً!
