ثُمَّ لم يبقَ أحدٌ | الفصل العاشر
سألَت “فيرا” “فيليب”:
- هَلْ تُصدِّقُ ذلك؟
كانت تجلسُ معَ “فيليب” على حافّةِ نافذةِ غُرفةِ
الجُلوس، وفي الخارجِ كانَ المطرُ ينهمِرُ والريحُ تزأرُ وتهِبُّ هبّاتٌ قويّةٌ تهِزُّ
زُجاجَ النوافذ، مالَ “فيليب” برأسِه قليلاً إلى أحدِ الجوانبِ قبلَ أن يُجيبَ قائِلاً:
- تعنينَ مَوْضوعَ أن يكونَ المُجرمُ واحِداً مِنّا؟
-
نعم.
فقالَ ببُطء:
- من الصعبِ الإجابة، ولكنَّ هَذا صحيحٌ مَنطقيّاً.
واستخلصَت “فيرا” الكلماتِ من فمهِ قائلةً:
- ولكنَّ يبدو هَذا غيرُ معَقول!
تَقطَّبَ وجهُ “فيليب لومبارد”” وقال:
- المسألةُ كلّها غيْرُ معَقولة، ولكنَّ بَعدَ موْتِ “ماك آرثر”
لم يعُدْ لديْنا شكٌّ وتساؤلٌ بَيْنَ كوْنِ الموضوعِ جريمةً أو انتحاراً، بَلْ هوَ
جريمة بكل تأكيد، ثلاث جرائم حتّى الآن.
فارتعشت “فيرا” وقالت:
-
كأنما هوَ حلمٌ
مروّع!، يُراوِدُني شعورٌ دائماً بأن أشياءً كهَذهِ لا يُمكِنُ أن تكونَ حقيقيّة.
فقالَ بتفهُّمٍ:
-
أعرِف .. تتمنينَ لَوْ
يُدَقُّ البابُ الآنَ ويُقدَّم لنا شايُ الصَباحِ الباكِر.
-
آه .. كَمْ أتمنى لَوْ
يحدثُ ذلك!
فقالَ “فيليب لومبارد”” بصوْتٍ خَفيض:
-
أجَل، ولكنه لن يحدُث،
نَحنُ جميعاً في هَذا الحُـلُمِ معَاً، ومن الآنَ فصاعِداً يتعيّنُ عليْنا أن نكونَ
مُتيقِّظينَ جِدّاً.
قالَت “فيرا” وِهُيَ تخفِضُ صوْتَها:
-
إذا كانَ المُجرِمُ ...
إذا كانَ واحداً منهم، فمن تظُنّه يكون؟
فابتسمَ “فيليب لومبارد” فجأةً وقال:
-
هَلْ أفهمُ من ذَلِكَ
أنكِ تستبَعدَينَ شخصَيْنا أنا وأنتِ؟، حسناً، لا بأسَ في ذلك، أنا أعرفُ جيّداً
أنني لستُ القاتلَ ولا أظُنُّ أن بك مَسّاً من الجُنونِ يا “فيرا”، تبدينَ لي واحدةً من أكثرِ الفتياتِ
اللاتي التقيْتُ بهم في حياتي اتزاناً ورجاحةَ عقل، ولا أتردَّدُ في المُراهنةِ بسُمعَتي
على سلامة عقلِك.
فقالت “فيرا” بابتسامةٍ تشوبُها بعضُ
السخرية:
-
شُكراً.
فقال:
-
ما هَذا يا آنسة “فيرا
كلايثورن”؟، ألا تُريدينَ رَدَّ المُجاملةِ لي؟
تردّدَتْ “فيرا” لحظةً ثُمَّ قالت:
-
لقد اعترفتَ – كما
تعلم – بأنك لا تعتبرُ حياةَ الإنسانِ شَيْئاً مُقدَّساً على وجهِ الخُصوص، ومعَ
ذلكَ فلَيْسَ بوِسعي أن أتخيّلَكَ ذَلِكَ الشخصَ الذي أَملى الرِسالةَ المُسجَّلةَ
في مُكبِّر الصوْت.
فقالَ “لومبارد”:
-
صحيح تماماً؛ لَوْ كُنتُ
سأرتكبُ واحدةً أو أكثرَ من تِلكَ الجرائمَ لكانَ ذَلِكَ فقط للفائدةِ التي قد
أجنيها من ذلك، هَذهِ الجرائمُ
بالجُملةِ ليْست من طبيعتي، حسناً .. إذن نستبَعدَ أنفسَنا ونرُكِّزُ على رِفاقِنا
السُجناءِ الخمسةِ الآخرين، أيُّهم هوَ السيّد “أوين”؟، حسناً .. من بابِ التَخمين
ودونَ سندٍ إطلاقاً أختارُ “وارغريف”.
فقالت “فيرا” بدهشةٍ:
-
“وارغريف”! ..
لماذا؟!
-
من الصعبِ أن أُجيبُكِ
بدِقّة، ولكنه رجُلٌ عجوزٌ قضى سنواتٍ طويلةً في رِئاسة المحاكِم، بعبارةٍ أُخرى:
لقد مثّلَ دوْرَ المُوجِّهِ العَظيمِ شُهوراً طويلةً من كُلِّ عام، وهَذا بالطبعِ
يؤدّي إلى الغُرورِ في النهاية، فيرى نفسَهُ مُطلَقَ السُلطةِ كما لَوْ كانَ يمسِكُ
بمقاليدَ الحياةِ والموْت، ومن المُحتمَلِ أن يشتطَّ عقلُهُ ويخطو خطوةً أبَعدَليُصبحَ
القاضي والجلّاد أيْضاً.
قالت “فيرا” ببطء:
-
أجل، أعتقدُ أن هَذا
مُمكِن.
قالَ “لومبارد” :
-
وأنتِ؟ .. مَن تُرشِّحين؟
فردَّت “فيرا” دونَ أيّ تردُّدٍ:
-
الدكتور “آرمسترونغ”.
أطلقَ “لومبارد” صَفيراً خافِتاً وقال:
-
الطبيب؟ .. أتعلمين:
بالنسبة لي فأنا أضعُهُ في آخرِ القائمة.
قالت “فيرا”:
-
لا .. فحالتانِ من
حالاتِ الوفاةِ كانتا بسبب السُّم، وهَذهِ مسألةٌ لها عِلاقةٌ بطبيبٍ إلى حَدٍ ما،
ثُمَّ إنك لا تستطيعُ التغاضيَ عن حقيقةِ أن الشيْءَ الوحيدَ المؤكَّدَ الذي
تناولَته السيّدة “روجرز” هوَ ذَلِكَ العقارُ المنوِّمُ الذي أعطاهُ لها الدكتور “آرمسترونغ”.
قالَ “لومبارد” معَترِفاً:
-
أجل، هَذا صحيح.
فواصلَت “فيرا”:
-
إذا أُصيبُ طبيبٌ
بالجنونِ فسيَمضي وقتٌ طويلٌ قبلَ أن يبدأَ الناسُ بالاشتباهِ في أمرِه، فالأطباءُ
يعملونَ كثيراً ويُصيبُهم الإجهاد.
قالَ “فيليب لومبارد”:
-
أجل، ولكني أشُكُّ
في أنه كانَ بوِسعِه قتلُ “ماك آرثر”؛ لم يتوفَّرْ لديْه وقتٌ خِلالَ تِلكَ الفترةِ
القصيرةِ التي تركتُه فيها، إلّا إذا كانَ قد جَرى بخِفّةِ أرنبٍ ذِهاباً وإياباً،
وأنا أشُكُّ في أنَّ لديْه لياقةً كافيةً للقيامِ بذَلِكَ دونَ أن تبدوَ عليْه
علاماتُ الإجهاد.
قالت “فيرا”:
-
لم يرتكبْ جريمتَهُ
في تِلكَ الفترة، بَلْ كانت لديْهِ فُرصةٌ فيما بَعدَ.
-
متى؟
-
عِندَما ذهبَ ليدعوَ
الجنرالَ للغَداء.
صَفَّرَ “فيليب” ثانيةً بصوْتٍ خَفيضٍ وقال:
-
إذن فأنتِ تعتقدينَ
أنه نفَّذَ العمليّة حينذاك! .. هَذا معَقولٌ تماماً.
فقالت “فيرا” بصبرٍ نافد:
-
ما المُخاطرةُ في
ذلك؟، إنه الشخصُ الوحيدُ الذي لديْه معَلوماتٌ طِبّيةٌ هُنا، وبوِسعهِ أن يُقسِمَ
بأن الوفاةَ حدثت قبلَ ساعةٍ على الأقلِ ولن يستطيعَ أحدٌ مُخالفتَهُ في ذلك.
فنظرَ إليها “فيليب” بتأمُّلً وقال:
- أتعرفين؟ .. هَذهِ فِكرةٌ ذكيّةٌ منك.
*****
بدَت علاماتُ الدهشةِ على وجهِ “روجرز” وهوَ يقبِضُ
بيديْه على قطعةٍ من جلدِ التنظيفِ كانَ يحملُها وهوَ يسأل “بلور”:
- مَن هوَ يا سيّد “بلور”؟، هَذا ما أودُّ معَرفته .. من هو؟
فقالَ له المفتش السابق “بلور”:
- حقّاً يا صديقي، هَذا هوَ السؤال، إنه واحدٌ مِنّا، هَذا ما قاله القاضي.
- مَن هوَ؟، هَذا ما أودُّ أن أعرفه، مَن هوَ ذَلِكَ الشيْطانُ
المُتخفّي في ثوْبِ إنسان؟
قالَ “بلور”:
- هَذا ما نودُّ جميعاً لَوْ استطعنا معَرفته.
فقالَ “روجرز” بنوْعٍ من الدهاء:
- ولكنَّ لديْكَ فكرةً يا سيّد “بلور”، لديْك فكرة، ألَيْسَ كذلك؟
قالَ “بلور” ببُطء:
- قد تكونُ لديَّ فكرة، ولكنها بعيدةٌ جِدّاً عن أن تكونَ مُؤكَّدة،
قد أكونُ مُخطِئاً، وكلُّ ما أستطيعُ قوْلَه هوَ أنه إذا كانت فِكرتي صحيحةً
فالشخصُ مِحوَرُ البحثِ شخصٌ شديدُ الهدوء، شديدُ الهدوءِ حقّاً.
مسحَ “روجرز” العرقَ من فَوْقَ جبينِه وقالَ بصوْتٍ
أجش:
- المسألةُ كلها كالكابوس .. نعم .. كابوس.
قالَ “بلور” وهوَ ينظرُ إليْهِ بفضول:
-
هَلْ لديْكَ أيّةُ
أفكارٍ يا سيّد “روجرز”؟
فهزَّ الخادِمُ رأسَهُ وقالَ بالصوْتِ الأجشِّ
نفسِه:
-
لا أدري، لا أدري
أبداً، وكَمْ يُخيفُني إلى حَدِّ الرُعبِ أن لا تكونَ لديَّ أيّةُ فِكرة.
*****
قالَ الدكتور “آرمسترونغ” مُهتاجاً:
-
يجبُ أن نخرجَ من هُنا،
يجب .. يجب ... بأيّ ثُمَّن.
كانَ القاضي “وارغريف” ينظُرُ بتأمُّلٍ خارجَ
غُرفةِ التدخينِ وقال:
-
لا أزعُمُ – بالطبع –
بأنني خبيرُ أرصادٍ جوّية، ولكنَّ عليَّ أن أقولَ إنه من المُستبَعدَ جِدّاً أن
يستطيعَ أيُّ قاربٍ الوصولَ إليْنا قبلَ أربعٍ وعشرينَ ساعةٍ حتّى لَوْ كانوا
يعرفونَ بمأزقِنا، وحتّى عِندَئذٍ ينبغي أن تكونَ الريحُ قد هدأت.
ألقى الدكتور “آرمسترونغ” رأسَه بَيْنَ يدَيْه
وقالَ مُتأوِّهاً:
-
وفي هَذهِ الأثناء
قد نُقتَلُ جَميعاً في فِراشِنا، ألَيْسَ كذلك؟
قالَ القاضي:
- آمُلُ أن لا يحدثَ لنا ذلك، أنا مُصمِّمٌ على اتخاذِ كل
الاحتياطاتِ المُمكِنةِ لمنعِ حدوثِ شيْءٍ من هَذا القَبيل.
وومضَ خاطرٌ في ذهنِ الدكتور “آرمسترونغ” بأن
رجُلاً كبيراً كالقاضي ربما كانَ أشدَّ تشبُّثاً بالحياةِ ممّا قد يكونُ عليْه
شابٌّ صغيرُ السِن، وهيَ حقيقةٌ طالما راودتهُ خِلالَ سنواتِ عمله، ها هوَ ذا أصغرُ
من القاضي بعشرينَ سنةٍ على الأقل، ومعَ ذَلِكَ فهوَ أقلُ منه تمسُّكاً بالحِفاظِ
على حياته.
فكَّرَ القاضي “وارغريف” وهوَ يُحدِّثُ نفسه:
"نُقتَلُ في فراشنا!، هؤلاء
الأطباءُ جميعاً مُتشابهون، يُفكِّرونَ بشكلٍ تافه، عقليّتُهم بسيطةٌ تماماً".
قالَ الطبيب:
-
تذكّر أنه يوجدُ
ثلاثُ ضحايا حتّى الآن.
-
بالتأكيد، ولكنَّ عليْكَ
أن تتذكَّرَ أيْضاً أنهم لم يكونوا مُستعدّينَ للهجوم، أمّا نَحنُ فقد أخذنا حذرنا.
قالَ الدكتور “آرمسترونغ” بمرارة:
-
ماذا نستطيعُ أن
نفعل؟، عاجلاً أو آجلاً ...
فقالَ القاضي “وارغريف”:
-
أعتقدُ أن بوِسعِنا
أن نفعلَ عدّةَ أشياء.
قالَ “آرمسترونغ”:
-
لَيْسَ لديْنا أيّةَ
فكرةٍ عمَّن قد يكونُ القاتل.
فمسحَ القاضي ذقنَهُ وقال:
-
أتدري؟ .. لا أستطيعُ
أن أوافقَ على قوْلِكَ تماماً.
فحدَّقَ إليه “آرمسترونغ” وقال:
-
أتعني أنكَ تعرف؟
قالَ القاضي “وارغريف” بحذر:
-
إذا كُنتَ تعني
دليلاً حقيقيّاً كذَلِكَ الذي تطلُبُهُ المحاكِمْ فأعترفُ لكَ بأنه لَيْسَ لديَّ
شيءٌ من ذلك، ولكنَّ يبدو لي عِندَ مُراجعةِ الأحداثِ أن شخصاً واحداً بالذات يُمكِنُ
الإشارةُ إليْه بوضوح، نعم .. أعتقدُ ذلك.
فحدَّقَ إليْه “آرمسترونغ” وقال:
-
لستُ أفهمُ شيْئاً.
*****
صعدت الآنسةُ “برنت” إلى غُرفتِها وأخذت كتابَها
وذهبَتْ تجلسُ إلى جِوارِ النافذة، فتحت الكتابَ ثُمَّ وضعتْهُ جانباً بَعدَ قليلٍ
من التردُّدِ واتجهَت إلى طاولةِ الزينة، فأخرجت من أحدِ أدراجِها دفترَ ملحوظاتٍ
صغيراً مُغلَّفاً بلوْنٍ أسود، ثُمَّ
فتحت الدفترَ وأخذت تكتب:
"وقعَ حادثٌ فظيع، الجنرال “ماك آرثر”
مات (ابنُ عمِّهِ مُتزوِّجٌ بـ“إيلسي ماكفرسون”)، ماتَ مقتولاً دونَ شك، بَعدَ
الغداءِ ألقى عليْنا القاضي كلمةً في غاية الأهميّةِ وهوَ مُقتنِعٌ بأن القاتلَ
واحدٌ مِنّا، وهَذا يعني أن واحِداً مِنّا يتملَّكُهُ شَيْطان، لقد خطرَ لي ذَلِكَ
من قبل، ولكن مَن تُراه يكون؟، إنهم جميعاً يسألونَ أنفسَهم هَذا السؤال، وأنا
الوحيدةُ التي تعرف".
جلسَتْ “برنت” هُناكَ لبعضِ الوقتِ دونَ حركة،
أصبحت عيْناها غامِضتيْن ورانت عليْهِما غَشاوة، وأخذَ القلمَ يتأرجَحُ بَيْنَ
أصابعِها، ثُمَّ كتبت بأحرُفٍ مُبعثرةٍ مُهتزّة:
"القاتلةُ هيَ "بياتريس تايلور" ....."
ثُمَّ أغلقت عيْنيْها وفجأةً انتفضتْ مُستيقظةً
ونظرت إلى الدفتر، وبدهشةٍ غاضبةٍ شطبت الأحرُفَ المهزوزةَ للجُملةِ الأخيرةِ
وقالت بصوْتٍ مُنخفِض:
-
هَلْ أنا التي كتبتُ
هذا؟ .. أنا؟! .. لا بُدَّ أنني في طريقي إلى الجُنون.
اشتدَّت العاصفةُ وتردَّدَ عويلُ الريحِ على
جُدرانِ المنزل، وكانَ الجميعُ في غُرفة الجلوس، جلسوا مُجتمعَينَ والفتورُ يُخيّمُ
عليْهم، وخِلسةً كانَ بعضُهم يُراقِبُ بعضاً، ثُمَّ دخلَ “روجرز” حامِلاً صينيّةِ
الشّاي فانتبهوا جميعاً، وسأل “روجرز”:
-
هَلْ أُسدِل
الستائر؟، هَذا سَوْفَ يُضفي شيْئاً من البهجة.
وإذْ لاقى اقتراحه قَبولاً فقد أُسدِلَت
الستأثرُ وأُنيرت الأضواء، فبدَت الغُرفةُ أكثرَ بهجةً وانحسرت بعضُ الظِلال،
وكانوا يرونَ أن العاصفةَ ستنتهيَ في اليوْمِ التالي وسيأتيهم شخصٌ ما بالنجدةِ أو
يأتي القارب.
قالت “فيرا كلايثورن”:
-
هَلا صببتِ الشّايَ
يا آنسة “برنت”؟
فقالت المرأةُ الكبيرة:
-
لا يا عزيزتي، قومي
أنتِ بذلك؛ إن إبريقَ الشّاي ثقيلٌ جِدّاً، وقد فقدتُ لفّتيْنِ من الصوفِ الرماديِّ
الذي أشتغِلُ به، وهَذا أمرٌ مُزعـجٌ للغاية.
خطت “فيرا” إلى طاولةِ الشّاي، وسُرعانُ ما عَلا
صوْتُ القرقعةِ المُبهجةِ للأواني الخزفيّةِ وعادت الأجواءُ طبيعيّة، فقالَ “فيليب
لومبارد” بمرح:
-
الشّاي، بارك اللّٰه
لنا بشايِ بَعدَالظُهرِ اليوْميِّ المعَتاد.
واستجابَ له “بلور”، وروَى الدكتور “آرمسترونغ”
قِصّةً طريفة، أما القاضي “وارغريف” الذي كانَ يكرهُ الشّايَ عادةً فقد أقبلَ يشربُه
باستحسان، في هَذا الجوِّ من الاسترخاءِ دخلَ “روجرز” قلِقاً وقال بعصبيّةٍ ودونَ
أن يُخاطبَ أحداً بعيْنه:
-
عفواً أيُّها السيّدات
والسادة، ولكن هَلْ يعرِفُ أيٌّ منكَمْ ماذا حدثَ لسِتارةِ الحمّام؟
فارتفع رأسُ “لومبارد” بحركةٍ سريعةٍ وقال:
-
ستارةُ الحمّام! .. ماذا
تعني يا “روجرز”؟
-
لقد اختفت يا سيّدي،
اختفت تماماً، كُنتُ أدورُ حَوْلَ البيْتِ لأُسدِلَ الستائرَ فلم أجِد ستارةَ الحمّامِ
في مكانِها.
سألَ القاضي “وارغريف”:
-
هَلْ كانت هُناكَ هَذا
الصباح؟
-
نعم يا سيّدي، كانت
موجودة.
قالَ “بلور”:
-
وأيُّ نوْعٍ من
الستائرِ هيَ؟
-
سِتارةٌ حمراءُ من
النوْعِ العازلِ للماءِ يتناسَبُ لوْنُها معَ لوْنِ بلاطِ الحمّام.
قالَ “لومبارد”:
-
واختفت؟!
-
نعم، اختفت يا سيّدي.
نظرَ كُلٌّ منهم إلى الآخر، وقالَ “بلور” بصوْتٍ
رصين:
-
حسناً، أيُّ أهميةٍ
لشيْءٍ كهذا؟، إنه تصرُّفٌ مجنون، ولكنَّ كُلَّ شيْءٍ هُنا مجنون، المسألةُ ليْست
مُهمّةً على أيّةِ حال؛ فلا يُمكِنُ قَتْلُ أحدٍ باستخدامِ سِتارةٍ عازلةٍ للماء،
لنَنسَ الموْضوع.
فقالَ “روجرز”:
-
حسناً يا سيّدي،
شكراً لك.
ومضى خارجاً مُغلِقاً البابَ خَلفَه، ومن
جديدٍ حَلَّ شعورٌ بالخوْفِ داخِلَ الغُرفة، ثُمَّ عادَ بعضُهم يُراقبُ بعضاً خِلسة.
*****
جاءَ العشاء، وحين انتهوا من تناولِهِ رُفعَت
الأطباق، كانت وجبةٌ بسيطةٌ تكوّنَت في مُعَظمِها من الأطعمةِ المعَلَّبة. وبَعدَالعشاءِ
سادَ غُرفةَ الجلوسِ جَوٌّ ثقيلٌ مُتوتِّرٌ كانَ من الصعبِ تحمُّلُه، وعِندَ
الساعةِ التاسعة نهضت “إميلي برنت” وقالت:
-
سآوي إلى فرِاشي.
وقالت “فيرا”:
-
وأنا أيْضاً.
وصعدت المرأتانِ الدرجاتِ إلى أعلى ورافقَهُما
كُلٌّ من “لومبارد” و”بلور”، وعِندَ رأسِ الدَرَجِ وقفَ الرجُلانِ يُتابعانِ
المرأتيْنِ بعيْنيْهِما حتّى دخلتا إلى غُرفتيْهما وأغلقتا بابيْهما، وسمعَا مِزلاجَيْنِ
يتحرَّكان خَلفَ البابيْن وصوْتَ المفتاحيْن يتحرَّكان في القُفليْن، فقالَ “بلور”
بابتسامة:
-
ليْست بنا حاجةٌ
لتذكيرِهما بإقفال الأبواب.
وقالَ “لومبارد”:
-
حسناً، إنهما بخيْرٍ
هَذهِ الليلةِ على أيّةِ حال.
ثُمَّ نزلَ ثانيةً إلى غُرفةِ الجلوسِ وخَلفَهُ
زميلِه.
*****
ذهبَ الرِجالُ الأربعةُ إلى غُرَفِهم بَعدَ ساعةٍ
من ذلك، وقد صعدوا جميعاً معَاً، بقيَ “روجرز” في غُرفةِ الطَعام يُهيّئُ الطاولةَ
لطعامِ الإفطار، ورآهم وهم يصعدونَ إلى غُرَفِهِم وسمعَهُم يتوقَّفونَ على قِمّةِ
الدَرَجِ في الأعلى، ثُمَّ جاءَ صوْتُ القاضي يقول:
-
أظُنُّ أنه لا حاجةَ
بي لتذكيرِكَمْ بقَفْلِ أبوابِكُمْ أيُّها السادة.
قالَ “بلور”:
- وأكثرُ من ذلك، عليْنا وَضْعُ مَقعدٍ خَلفَ الباب، إذْ توجَدُ
وَسائلٌ لفَتْحِ الأقفالِ من الخارج.
غَمْغَمَ “لومبارد”:
- مُشكِلَتُكَ أنكَ تعرِفُ الكثيرَ يا عزيزي “بلور”.
وقالَ القاضي بهدوء:
- تُصبِحونَ على خيْرٍ أيُّها السادة، ولنأملَ أن نلتقي جميعاً
في الصباحِ سالمين.
خرجَ “روجرز” من غُرفةِ الطَعامِ وصعدَ الدَرَجَ
إلى وَسَطِهِ فرأى أربعةَ أشخاصٍ يعبرونَ أربعةَ أبواب، وسمعَ صوْتَ أربعةِ أقفالٍ
تدورُ وأربعةَ مزاليجَ تتحرَّكُ في مَجاريها، ثُمَّ أوْمأَ برأسِهِ وغمغمَ لنفسِه: "كُلُّ شيْءٍ على ما
يُرام".
وعادَ إلى غُرفةِ الطَعامِ وهوَ يقولُ لنفسِه:
"نعم، كُلُّ شَيْءٍ جاهزٌ للصباح"، ثُمَّ تركَّزت عيْناهُ على تماثيلَ
الخزفِ الصغيرةِ السبعة، وفجأةً افترَّت شَفتاهُ عن ابتسامةٍ ماكرةٍ وغمغم: "لن
أسمحَ لأحدٍ أن يقومَ بألاعيبَ هَذا المساء مهما كلّفَ الأمر".
واجتازَ أرضَ الغُرفةِ إلى الطرفِ المُقابلِ
فأغلقَ المطبخ، ثُمَّ دخلَ من البابِ الآخرَ إلى القاعةِ فأغلقَ البابَ وأقفلَهُ
ووضعَ المفتاحَ في جَيْبِه، ثُمَّ أطفأَ الأنوارَ وأسرعَ صاعداً الدَرَجَ إلى غُرفتِهِ
الجديدة، كانَ فيها مكانٌ واحدٌ
يصلُحُ للاختباءِ وهوَ الخِزانةُ الطويلة، ففتّشَها في الحالِ ثُمَّ أغلقَ البابَ
وأقفلَهُ وتهيّأَ للنوْمِ وقالَ لنفسِه: "لا مزيدَ من الألاعيبَ في هَذهِ الليْلة،
لقد تأكَّدتُ من ذَلِكَ بنفسي.
