خبر
أخبار ملهلبة

"أرواح بلا قبور" | بئر الجحيم (2)


بئر ماء جاف تنبت فيه نبتة صغيرة على جداره من الداخل

"أرواح بلا قبور" | بئر الجحيم (2)

 

 

وهنا تدخّلت الزوْجة وهي تخرج من المطبخ حاملةً صينيّة عليها إبريقاً به شاي وماعوناً به سكّر وثلاثة أكوابٍ وملعقة وقالت وهي تحاول أن تزيّن له الوهم :

- ما لكنش.. إنت عايز تقعّدنا ف الفقر ده لحد إمتى؟.. الراجل بيقول كلام معقول.

- أيوه يا "صفيّة".. بس الحكومة ممكن تمسكنا بتهمة تهريب الآثار.

- ما تخافش يا "فريد" بلدنا دي متطرّفة.. مش باقول لك اسمها "الطارف".. ها ها.. وبعدين كل أهل البلد بيعملوا كده وما حدّش بيخبص ع التاني.

- يا سلام.. عايز تفهّمني إن أهل البلد كلّهم وحشين يعني.. طبعاً لأ.. الصعايدة عموماً ناس عندهم أصل طيّب وشرف وأمانة.. بس أكيد فيهم اللي ماشي غلط زي بقية الخلق.

- يا عم أنا عارف أهل بلدي أكتر منّك.. وبعدين يا سيدي ما حدّش ح يحس بينا.. إحنا ح نحفر حوالين البير اللي ف حوش الدار.. والبير دي متحوّطة بألواح صاج من كل حتة إلّا المدخل بس.. يعني لو حد بيتجسّس علينا مش ح ياخد باله من حاجة.. ناس داخلة وطالعة م البير.. وإن كان على تصريف الآثار أنا اعرف تاجر ح ياخدها منّنا بسعر كويّس وخلّيك انت بعيد خالص عن الموْضوع ده.. تمام كده؟

- تمام إيه.. واحنا ح نحفر تحت ميّة البير إزّاي؟

- لأ.. دي بير ناشفة من زمان.. ما فيهاش ميّه خالص.. بس ما حدّش يعرف كده إكمّن الدار مقفولة من زمان.

- ما لكش حجّة بقى يا "فريد".. الراجل مسهّلها لك ع الآخر أهه.

- طب سيبني يومين كده أفكّر يا "حسّان".

- يومين إيه بس.. إنت بتتلكّك يا "فريد"؟.. ولّا غاوي العيشة اللي احنا عايشينها دي؟.. لا يا ده العدي.. إعمل حسابك لو ما رحناش هناك أنا مش قاعدة لك ف المخروبة دي.. إشبع بيها بقى.

- يا وليّه هوّ سلق بيض.. إنتي ناسية إنّي موظّف ف شركة قطاع عام ومش مِلك نفسي؟

- ما تنعاش هّم يا سيدي.. خد أجازة اعتيادي أسبوع بس.. ونروح الصعيد.. عرفنا نوصل لحاجة كان بها.. ما عرفناش يبقى ترجع الشغل بعد الأجازة ويا دار ما دخلِك شر.. قلت إيه؟

- ح يقول إيه يعني.. ح يقول ماشي طبعاً.

- معلهش يا ست الكل.. أسمعها منّه هوَّ.

- خلاص يا عم.. موافق.. ربّنا يستر.

- بس بشرط.. ما تقولش لحد انت رايح فين.. ولا حتّى لأهلك.. لو حد سألك قول لهم إنّك رايح تصيّف ف "اسكندريّة".

وبعد يوميْن وصل ثلاثتهم إلى الصعيد تحت جنح الظلام فلم يشاهدهم أحد وهم يفتحون الدار المغلقة منذ سنين ويبيتون فيها ليْلتهم ومعهم ما يحتاجونه من معدّاتٍ وأدواتٍ للحفر والتنقيب، وفي الصباح الباكر خرج "حسّان" من الدار ومعه سلّماً من الحبال حتّى وصل إلى البئر الجافّة في الحوْش الخلفي وعندما لم يرَ أحداً يتابعه من المنازل القريبة أشار إلى "فريد" و"صفيّة" ليلحقاه عند البئر ومعهما سطليْن بهما بنزين وسكب "حسّان" نصف كميّة البنزين من الدلو الأوّل في البئر ثمّ أشعل ناراً في قطعة قماش وألقى بها أيْضاً في البئر ليقتل ما قد يسكن في الجُبّ من ثعابين أو فئران أو حشرات ثمّ أدلى السلّم داخل البئر وعزم على النزول إلّا أنّ "فريد" أقسم أن ينزل هو أوّلاً ليكون أوّل من يلقى ويدفع أي خطرٍ قد يكون في البئر وأخذ معه سراجاً ليكشف له موقع قدمه، وعندما وصل إلى قاع الجب أبلغ "حسّان" فما كان من الأخير إلّا أن سحب السلّم إلى أعلى بحجّة أنّه نسى إحضار الحبال وأنّه سيستخدم السلّم ليربط به مِعْوَلاً لينقب به الأرض وجاروفاً لإزاحة الرمال والصخور التي تنتج من الحفر، وما إن جذب "حسّان" السّلم بالكامل وأصبح "فريد" لا يملك سبيلاً للصعود من غياهب الجبّ حتّى سكب "حسّان" النصف الآخر من كميّة البنزين الباقية في الدلو الأوّل كما صبّت "صفيّة" كل كميّة البنزين من الدلو الثاني داخل البئر فوْق "فريد" الذي ابتلّ تماماً بالبنزين وصرخ فيهما مستفسراً عمّا يفعلانه طالباً منهما إنقاذه، ولكن العشيقيْن الخائنيْن لم تدبّ في قلبيْهما ذرّةٌ من رحمةٍ أو شفقة بل سارع كلٌ منهما بإشعال فتيلاً مشبّعاً بالبنزين وألقى به على "فريد" فأمسكت به النار وتصاعدت من جسده ألسنة اللهب وسط صرخاته وتأوّهاته التي راحت سدىً دون أن يسمعه أحد وهو في قرار البئر السحيق ومضت أقل من دقيقتين حتّى سكتت صرخاته وسكنت حركاته وخمدت أنفاسه وهمدت نبضات قلبه المكلوم وغادرت روحه المغدورة جسده المحروق الذي تصاعدت منه رائحةٌ نفّاذةٌ للحم محترق كان العشيقان اللذان خلا لهما الجوْ يستنشقانه كرائحة الشواء الشهي، ثمّ جلب العشيقان كميّاتٍ كبيرةً من الرمال المحيطة بالبئر وطفقا يهيلانها داخله ليردما ما تبقّى من أشلاء ورماد الزوج المخدوع.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent