خبر
أخبار ملهلبة

1984 (6)



1984 (6)



وجد ونستون نفسه يسير عبر ممر يخيم عليه الظل حيناً ويغمره الضوء حيناً آخر، وكان عندما يسرع الخطى تزل به قدمه في برك من الماء أكسبتها أشعة الشمس المتسربة من خلال أغصان الأشجار لوناً ذهبياً. وكانت الأرض تحت الأشجار التي عن يساره تكتسي بزهور زرقاء تشبه الجرس في تكوينها. وكان يبدو أن الهواء يداعب الوجوه، لِمَ لا واليوم هو الثاني من أيار. ومن مكان ما في قلب الغابة كان ينبعث هديل الحمام.

كان ونستون قد وصل إلى مكان اللقاء قبل الموعد المضروب دون أن تواجهه أي صعوبات أثناء الطريق. إذ يبدو أن الفتاة كانت ذات خبرة واسعة تجعلها موضع ثقة في تخيّر الأماكن الآمنة، حتى إن الفزع الذي اعتراه في أثناء رحلته كان أقل مما يكون عليه في المعتاد. ومع ذلك ليس للمرء أن يحسب أنه أكثر أماناً في الريف مما هو في لندن. نعم يخلو الريف من شاشات الرصد، بيد أن خطراً آخر يكمن فيه ألا وهو الميكروفونات المخبأة عن العيون والتي يمكنها التقاط صوتك وتمييزه، فضلاً عن أنه لم يكن من السهل أن تقوم برحلة بمفردك دون أن تلفت إليك الأنظار. وبالرغم من أنه لم يكن من الضروري أن تحصل على جواز مرور ما دامت رحلتك لا تتجاوز المئة كيلو متر. ولكن محطات السكك الحديدية تكون أحياناً مرتعاً لرجال الدورية، فإذا ما صافَدت هنالك أحد أعضاء الحزب فإنها تستوقفه لفحص أوراقه واستجوابه بأسئلة محرجة. غير أنه لم تعترض ونستون في رحلته أي دوريات، ومع ذلك كان وهو في طريقه من المحطة يأخذ جانب الحذر ويتلفت خلفه مرة تلو أخرى خشية أن يكون ثمة من يقتفي أثره. كان القطار مزدحما بالعامة الذين تخيم عليهم أجواء الانتعاش المصاحبة للعطلة في طقس صيفي لطيف. وكانت العربة ذات المقاعد الخشبية التي استقلها ونستون تغص بأسرة واحدة كبيرة العدد تراوح أعمار أفرادها ما بين جدة طاعنة في السن وطفل رضيع ابن شهر واحد. كانت هذه الأسرة ذاهبة لقضاء بعض الوقت لدى بعض أصهارهم في الريف وأيضاً، وحسبما عبّروا بصراحة لونستون، الحصول على قليل من الزبد من السوق السوداء.

اتسع الممر، وما هي إلا دقيقة حتى وجد ونستون نفسه أمام الطريق الذي حدثته عنه الفتاة. وكان مجرد طريق للماشية يمتد بين شجيرات قصيرة. لم يكن ونستون يحمل ساعة ولكنه كان يقدّر أن الوقت لم يبلغ الثالثة مساء بعد. وكانت الزهور الزرقاء التي تشبه الأجراس تكسو الأرض بشكل كثيف للغاية إلى حد يستحيل معه ألا يطأها المرء بقدميه. ركع ونستون على ركبتيه وجعل يقطف بعضها ليقتل الوقت من ناحية ولأنه من ناحية أخرى كانت تراوده فكرة غامضة وهي أن يقدم للفتاة باقة من الزهور لحظة لقائه بها. وكان ونستون قد جمع باقة كبيرة وراح يشم رائحتها الزكية عندما أتاه صوت من ورائه جمد الدم في عروقه. كان الصوت صوت وقع أقدام تطأ الحشائش. ولكنه تجاهله وواصل قطف الزهور غير مكترث إذ ارتأى أن ذلك هو أفضل ما يمكنه عمله. وراح يفكر فيمن يكون هدا القادم، ربما كانت الفتاة وربما كان شخصاً آخر يتعقب خطاه. ولأن تلفته حواليه كان من شأنه أن يثير الشكوك حوله، فقد راح يقطف زهرة تلو أخرى حتى أحس بيد تربت على كتفه برقة.

رفع وجهه فإذا بالفتاة أمام عينيه. وأشارت إليه محذرة من أن يتفوه بكلمة، ثم شقت طريقها عبر الشجيرات لتنفذ إلى داخل الغابة عبر ممر ضيق. لم يكن ثمة شك في أنها سارت في هذا الممر من قبل، إذ كانت تروغ من البقع الموحلة كما لو كانت تفعل ذلك بحكم الأُلف والعادة. وتبعها ونستون وهو ما يزال يقبض على باقة الزهور. في البدء شعر ونستون بالارتياح، بيد أن مراقبته لهذا القوام الممشوق القوي وهو يتبختر أمام عينيه وقد شد على الخصر ذلك الزنار القرمزي شدًا يبرز مفاتن الردفين قد كرست لديه الشعور بالدونية وخيل إليه أنها ربما تراجع نفسها في ما هي مقدمة عليه إن هي استدارت ونظرت إليه. لكن عذوبة الهواء وخضرة أوراق الربيع كانتا قد ملأتاه رهبة. وكانت شمس أيار في المسافة التي قطعها من المحطة قد أثارت لديه شعوراً بالخجل من قذارته وشحوبه، كمخلوق لا يرى الشمس، وقد انسدّت مسام جلده بفعل سخام لندن الذي يكسوها. وتنبه إلى أن الفتاة ربما لم تره حتى الآن في وضح النهار حيث الضوء الساطع. وبلغا الشجرة المتداعية التي حدثته عنها فتجاوزتها الفتاة وشقت لنفسها طريقاً بين الشجيرات التي بدت مسدودة، وسار ونستون في أثرها، وسرعان ما وجد أنهما يقفان في مرجة من العشب الأخضر الصغير تحيط بها أشجار وارفة الظلال تحجب الرؤية. هنا توقفت الفتاة ثم التفتت قائلة:

- ها نحن قد وصلنا.

وقف محدّقاً فيها تاركاً بينه وبينها خطوات، فهو لم يجرؤ على الاقتراب منها لأكثر من ذلك.

واستطردت تقول: «لم أشأ أن أحدثك بشيء ونحن في الطريق خشية أن يكون ثمة ميكروفون مخبآ في مكان ما. وإن كنت أعتقد أن ليس هناك شيء من ذلك ولكن يجب أخذ الحيطة على أي حال، فاحتمال التقاط صوتك وتمييزه من قبل أحد الأوغاد يظل احتمالاً قائماً على الدوام. أمّا هنا فنحن في أمان.

ولم يجد ونستون في نفسه من الشجاعة ما يكفي ليتجرّأ به على الدنو منها حتى الآن.

فجعل يردد عبارتها في غباء: «هنا نحن في أمان».

«أجل.. انظر حولك إلى الأشجار».

كانت أشجار دردار صغيرة قُطعت في يوم من الأيام ثم عادت فنبتت من جديد مكوّنة غابة من القضبان التي لا تزيد سماكة واحدها على سماكة معصم اليد. وأضافت الفتاة: «لا توجد أشجار كبيرة يمكن إخفاء ميكروفون فيها. عدا عن ذلك فقد جئت إلى هذه البقعة من قبل».

كان ذلك تمهيدا لبدء حديثهما. وتغلّب ونستون على ما تملّكه من رهبة ودنا منها. كانت تقف أمامه منتصبة القامة وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة باهتة ومفعمة بالسخرية وكأنها تتساءل عن سبب إحجامه عن أي فعل حتى الآن. وهنا حدث أن سقطت باقة الزهور التي بين يديه أرضاً وبدا أنها قد سقطت من تلقاء نفسها، فأمسك بيدها وقال: «أوَ تصدقين لو قلت لك إنني لم أعرف لون عينيك حتى الآن؟» ولاحظ للتو أنهما بنّيتان أو بالأحرى فيهما ظلال بنية خفيفة أما أهدابهما فكانت سوداء. وسألها: «أمّا وقد رأيتني في وضح النهار، فهل ما زلت تحتملين النظر إلى وجهي؟»

- أجل بسهولة.

- إنني في التاسعة والثلاثين من عمري، ومقترن بزوجة لا أستطيع التخلص منها وأعاني من الدوالي ولي خمسة أسنان اصطناعية.

فقالت الفتاة: «إن هذا لن يقلل من اهتمامي بك».

وفي اللحظة التالية، ودون أن يدري مَن منهما بادر بذلك، كانت الفتاة بين ذراعيه. في البداية لم يكن ونستون يصدق ما يجري. فها هو الجسد الغض مشدودٌ على جسده، والشعر الأسود يغطي صفحة وجهه، ورفعت الفتاة وجهها فأخذ يمطر شفتيها الحمراوان بالقبلات، وأحاطت عنقه بذراعيها وهي تناديه بمعسول الكلمات. جذبها إلى الأرض فلم تُبدِ أي مقاومة، فكان باستطاعته أن يفعل بها ما يحلو له. لكن الحقيقة أنه لم يكن لديه أي رغبة جسدية تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد التماس بينهما. فقد استولت عليه مشاعر الزهو وعدم التصديق. كان مسروراً بما يحدث لكنه لم يكن يشعر بأية رغبة جسدية. لقد حدث كل شيء بسرعة خاطفة إلى حد أن شبابها وجمالها قد أرهباه، بعد أن كان قد أَلِفَ العيش بدون نساء - وهو يجهل سبب ذلك. وقامت الفتاة عن الأرض واستلّت زهرة من شعرها، وجلست ملاصقة له وهي تلف ذراعها حول خصره وقالت:

«هدئ من روعك يا عزيزي. لسنا في عجلة من أمرنا. وما زال لدينا متسع من الوقت. ألا ترى أن هذه الخلوة رائعة. لقد اكتشفتها عندما ضللت طريقي ذات مرة في إحدى الرحلات الجماعية. ولو جاء أحدهم لأمكننا سماع وقع خطاه وهو على بعد مائة متر.»

سألها ونستون: «ما اسمك؟»

فأجابت: «جوليا. إنني أعرف اسمك، إنك ونستون! ونستون سميث».

- وكيف تسنّى لكِ معرفة ذلك؟

- أظن أنني أبرع منك في اكتشاف الأشياء يا عزيزي. هل أخبرتني بمشاعرك نحوي قبل أن أعطيك الرسالة في ذلك اليوم؟

لم يشعر ونستون بأي دافع للكذب عليها، وكان يعتقد أن أفضل بداية لحبهما هو أن يفضي إليها بأسوأ ما كان يكن لها.

فأجاب: «كنت أكره مجرد رؤيتك، وراودتني كثيراً الرغبة في اغتصابك ثم قتلك بعد ذلك. بل ومنذ أسبوعين كنت أفكر جدّياً في تحطيم رأسك بحجر. وإذا كنت تودين معرفة السبب، فقد ظننت أن بينك وبين شرطة الفكر رباط ما».

ضحكت الفتاة مبتهجة، إذ اعتبرت ذلك ثناء على براعتها في التخفي.

وقالت: «هل حقاً ظننت أنني أعمل مع شرطة الفكر؟ أوكنت جاداً في ذلك الظن؟»

فأجاب: «قد لا يكون ذلك بالضبط. ولكن مظهرك العام وكونك في ريعان شبابك ومتعافية وجميلة، جعلني أظن أن ذلك محتمل... »

قالت: «إذن كنت تظن أنني عضوة بالحزب وصادقة في قولي وفعلي. ولعلك اعتقدت أنني من الذين يشاركون في حمل الأعلام وترديد الشعارات والسير في المسيرات والخروج في الرحلات الجماعية وكل ما شابه ذلك. وظننت أنه لو سنحت لي أدنى فرصة للوشاية بك كمجرم فكر لفعلت ذلك حتى يقتلوك؟»

- نعم لقد خامرتني أشياء من هذا القبيل. فكما تعلمين هناك فتيات كثيرات يقدمن على ذلك.

فقالت وهي تخلع الزنار القرمزي، شعار اتحاد الشبيبة المناهض للجنس وتعلقه على غصن شجرة: «إنها شرطة الفكر اللعينة هي التي تبث هذا الانطباع ». بعدئذ، وكما لو أن ملامستها لخصرها قد ذكرتها بشيء ما، تحسست جيب معطفها وأخرجت منه قطعة شوكولا وقسمتها شطرين وأعطت ونستون أحدهما. وقبل أن يمد يده أدرك من رائحتها أنها من نوع غير عادي، فقد كانت ذات لون غامق ولامع وملفوفة بورق فضي. فالشوكولا التي يعرفها كانت ذات لون بني كئيب ومتفتتة وكان طعمها أشبه ما يكون بطعم الدخان المنبعث من حرائق أكوام القمامة. ومع ذلك فقد كان من حين لأخر يتذوق شوكولا مثل تلك الشوكولا. ولقد أهاجت من رائحتها ذكرى لم يستطع أن يستحضرها رغم كونها قوية ومربكة.

سألها: «من أين لك هذا؟»

فأجابت غير عابئة: «من السوق السوداء». ثم استطردت: «إنني من الفتيات اللواتي يلفتن إليهن الأنظار. إنني رياضية. كما أنني كنت قائدة زمرة في منظمة الجواسيس. وكنت أقوم بثلاث مهمات تطوعية كل أسبوع ضمن اتحاد الشبيبة المناهض للجنس. لقد كنت أمضي الساعات تلو الساعات أجوب أنحاء لندن لألصق ملصقاتهم اللعينة، وفي المواكب كنت دائماً أحمل طرفاً من الراية، وكانت مشاعر البهجة بادية على محياي دائماً ولم يحدث أن تهربت يوماً من شيء يُسْنَد إلي، وأشارك الجماهير في هتافها. إن هذه وحدها هي طريق السلامة».

وذابت أول قضمة من الشوكولا على لسان ونستون. كان الطعم لذيذاً. لكن ثمة ذكرى ظلت تتحرك في أطراف وعيه، ذكرى شيء يستشعره بقوة دون أن يستطيع قولبته في شكل محدد تماماً مثل جسم يراه المرء بطرف عينيه. وكان يحاول أن يطردها عنه وهو يعي أنها ذكرى شيء ما ودّ لو لم يفعله لكنه لم يستطع ذلك.

قال لها: «إنك لا تزالين في مقتبل عمرك. فأنت أصغر مني بعشر أو خمس عشرة سنة. فما الذي أعجبك في رجل مثلي؟ "

ردت قائلة: «إنه شيء ما في وجهك شجعني على خوض المغامرة. إنني ماهرة في اكتشاف الأشخاص الذين لا انتماء لهم. فما إن رأيتك حتى أيقنت أنك ضدهم».

وأدرك ونستون أنها تعني الحزب بقولها (ضدهم)، وبالأخص قيادة الحزب التي كان حديثها عنها ينم عن كراهية ممزوجة بالسخرية، وهذا ما جعل ونستون يشعر بالقلق رغم علمه بأنهما أكثر أماناً في هذا المكان من أي مكان آخر. بيد أن ما أدهشه هو خشونة عبارتها. فقد كان من المفترض أن أعضاء الحزب لا يتلفظون بالسباب، حتى إلى ونستون نفسه كان نادراً ما يفعل ذلك بصوت عال على الأقل. أما جوليا فقد بدا أنها لا تستطيع أن تأتي على ذكر الحزب، وعلى الأخص قيادة الحزب، دون أن تستخدم ذلك اللون من الكلمات التي تُرى مرسومة بالطباشير على جدران الأزقة الضيقة الفقيرة. ولم يستقبح ونستون منها ذلك، فهذا علامة على ثورتها على الحزب وكل أساليبه، بل ويبدو دليلاً على العافية والصحة، إنه أشبه بالحصان يعطس حين يشمّ رائحة دريس فاسد. كانا قد تركا تلك البقعة الطبيعية وأخذا يجولان ثانية عبر الظلال المتقطعة وقد لف كل منهما ذراعه حول خصر الآخر كلما كان بإمكانهما أن يسيرا جنباً إلى جنب. ولاحظ أن خصرها قد غدا أكثر ليونة بعدما خلعت عنه الزنار القرمزي. كانا يتحدثان همساً. فخارج البقعة وحسبما قالت جوليا، يحسن بهما أن يلتزما الهدوء. وكانا قد بلغا حافة الغابة الصغيرة فاستوقفته قائلة:

- لا تخرج إلى الأرض المكشوفة، فقد يكون هنالك شخص يترصدنا. إننا نظل في أمان ما دمنا وراء أغصان الأشجار.

لقد كانا يقفان تحت ظل شجيرات البندق بينما كانت أشعة الشمس المتسرّبة عبر أوراق الشجر الغزيرة تلفح وجهيهما. وما إن نظر ونستون إلى الحقل الممتد وراء الغابة حتى أخذت جسمه رجفة بطيئة وغريبة، فقد عرف هذا الحقل بمجرد أن وقع بصره عليه. كان مرعى قديماً مغطى بالعشب ويتخلله ممشى، وتلال الخلد هنا وهناك. وعلى الجانب الآخر من الحقل تدّلت أغصان أشجار الدردار متمايلة مع النسيم وتتحرك أوراقها ببطء وكثافة وكأنها خصلات شعر امرأة. وفي مكان قريب، لكن خارج مجال النظر، لا بد أن هناك جدولاً ذا برك خضراء تسبح فيها الأسماك؟

وهنا همس متسائلاً: «ألا يوجد جدول ماء بالقرب من هنا؟»

- بلى، ثمة جدول عند حافة الحقل التالي. إن فيه سمك كبير الحجم حتى ليمكنك أن تراه فوق صفحة البرك يحرك ذيله أسفل أشجار الصفصاف.

فغمغم قائلاً: «إنه الريف الذهبي، تقريباً».

- أي ريف ذهبي ذلك؟

- لا شيء، لكنه مشهد طبيعي كنت أراه أحياناً في الحلم.

وهمست جوليا: «انظر!»

كان طائر الحسُّون قد حط على غصن لا يبعد أكثر من خمسة أمتار عنهما وعلى مستوى وجهيهما تقريباً. ويبدو أن الطائر لم يرهما، فقد كان هو في الشمس وكانا هما في الظل. نشر الطائر جناحيه ثم أعادهما بعناية إلى وضعهما الأول، وخفض رأسه للحظة، كما لو كان يؤدي فرضاً من فروض الطاعة والتبجيل للشمس، وأخذ يصدح بأغانيه. ووسط هدأة ما بعد الظهيرة بدا أن الصوت قد جعل ونستون وجوليا يجفلان فاحتضن كل منهما الآخر مبهورين بذلك الصوت العذب. وانسابت الموسيقى دقيقة تلو أخرى مع تنويعات تبعث على الدهشة، فلم يكرر أي نغمة طوال ذلك وكأنما كان يتعمد استعراض براعته في الغناء. وكان الطائر يتوقف لثوان أحياناً لينشر جناحيه ثم يضمّهما ثانية، ويملأ صدره بالهواء ثم ينطلق في التغريد ثانية. كان ونستون يراقبه ولديه شيء من التبجيل الغامض. وتساءل في نفسه ترى لمن كان الطائر يغرد ولماذا؟ لم يكن بجواره رفيق أو غريم. وما الذي يجعله يحط على غصن من أغصان غابة مهجورة كهذه ويصدح بموسيقاه في العراء وما من أحد يسمعه؟ وتساءل أيكون هنالك بعد كل هذا ميكروفون مخبأ في مكان ما على مقربة منهم؟ إنه وجوليا قد حرصا على أن يكون كلامهما همساً، ولن يستطيع الميكروفون التقاط ما قالاه، لكنه حتماً سيلتقط تغريد الحسون. وربما ثمة رجل ضئيل الجسم أشبه بالخنفساء عند الطرف الآخر من الميكروفون ينصت باهتمام إلى ذلك. بيد أنه وبالتدريج استطاع فيض الموسيقى المنسابة أن يطرد كل الهواجس من ذهنه. وكان هذا الفيض أشبه بسائل ينسكب فوق جسمه ممتزجاً بأشعة الشمس المتسربة عبر أوراق الشجر. وهنا توقف ونستون عن التفكير مكتفياً بما يعتمل في داخله من أحاسيس. كان خصر الفتاة الذي يحيطه بذراعيه ليناً ودافئاً. جذبها نحوه حتى صار صدره ملاصقاً لصدرها وأحس بجسدها يمتزج بجسده. وأينما تحسست يداه كان جسدها مستسلماً كالماء. وتلاقت شفاههما بقبلات مختلفة تمام الاختلاف عن تلك الجافة التي تبادلاها قبل ذلك. وعندما انفك دلك العناق وتنهد كلاهما تنهيدة عميقة، جفل الطائر وفزع فأطلق لجناحيه العنان.

واقترب ونستون من أذن جوليا وهمس: «الآن؟»

فهمست هي أيضاً: «ليس ها هنا، هيا بنا إلى المخبأ فإنه أكثر أماناً».

ومع طقطقة الأغصان تحت أقدامهما راحا يشقان طريقهما نحو الخلوة. وعندما دلفا إلى حلقة أشجار الدردار استدارت نحوه وكان كلاهما يتنفس أنفاساً سريعة متلاحقة ولكن لم تلبث الابتسامة أن ارتسمت على ثغر الفتاة من جديد. أخذت تتمعن في وجهه للحظة ثم تحسست أزرار ثيابها. أجل! كان الموقف أشبه بما رآه في الحلم. فبسرعة كتلك التي تخيلها نزعت عنها ثيابها وحينما طرحتها جانباً كان ذلك بالحركة الرائعة نفسها التي بدا وكأنها تقوّض أركان حضارة بكاملها. وبدا جسدها ناصع البياض تحت ضوء الشمس، ولكنه لم يتطلع إلى جسدها من فوره فقد كانت عيناه معلقتين بذلك الوجه الأنمش ذي الابتسامة الخافتة الجريئة. ركع أمامها ثم أخذ بيدها بين يديه.

- هل فعلتِ ذلك من قبل؟

- بالطبع مئات المرات أو قل عشرات المرات.

- مع أعضاء الحزب؟

- نعم، دائماً مع أعضاء الحزب.

- مع أعضاء القيادة الحزبية؟

- كلا، ليس مع أولئك الأوغاد. لكن هناك كثيرين منهم تقتلهم الرغبة فيما لو سنحت لهم أدنى فرصة. إنهم ليسوا بهذا العفاف الذي يَدَّعونه.

قفز قلب ونستون ابتهاجاً. إذن لقد أتت ذلك الفعل عشرات المرات، وتمنى لو أنها قد فعلته مئات أو آلاف المرات. فكل شيء يشير إلى الفساد كان يملأه بأمل مجنون. من يدري، ربما كان الحزب يواري فساداً مستشرياً تحت هذه القشرة، وما تعاليمه عن التقشف ونكران الذات إلا ستار يخفي وراءه ألوان العسف والجور. وكم ستكون سعادته لو استطاع أن ينقل لهم العدوى بالبرص أو الزهري وأن يفعل كل ما من شأنه أن ينشر الفساد والانحلال في الحزب حتى يمكن تقويضه! ثم جذبها نحو الأرض بحيث أصبحا وجهاً لوجه وقال لها: «كلما ازداد عدد الذين يضاجعونك منهم ازداد حبي لك. هل تفهمين ما أعني؟»

- نعم تماماً.

- إنني أكره التبتل، وأمقت القداسة! ولا أريد بقاء لأي فضيلة في أي مكان. أريد أن يستشري الفساد في كل شخص حتى النخاع.

- حسناً، لا بد إذن أنني أناسبك يا عزيزي، فالفساد موغل فيّ حتى نخاعي.

- هل تحبين إتيان ذلك الفعل؟ لعست أعني معي فقط، وإنما أعني الفعل في حد ذاته.

- إنني أحبه حباً جماً.

كان ذلك هو عين ما أراد أن يسمعه منها. ليس مجرد حب شخص لآخر، وإنما هي الغريزة الحيوانية والرغبة التي يستوي فيها الناس، إنها القوة التي ستمزق الحزب إلى أشلاء. ومددها فوق العشب وبين الزهور المتساقطة. ولم يصادف صعوبة هذه المرة وعادت أنفاسهما إلى الحالة الطبيعية، ثم انفصلا بعدما انتابهما إعياء مفعم باللذة. وكانت الشمس قد اشتدت حرارتها. وأحسا بنعاس يغالبهما. مدّ ونستون يده إلى معطفها الذي ألقته جانباً وغطى به بعض جسدها. وراحا من فورهما يغطان في نوم عميق امتد بهما زهاء نصف ساعة.

كان ونستون هو من استيقظ أولاً فراح يتأمل ذلك الوجه الأنمش، الذي لا يزال نائماً في سلام متوسدًا راحة يدها. ولم يكن فيها من جمال يلفت النظر سوى جمال ثغرها. فهنالك خط أو خطان حول عينيها إذا دققت النظر. أما شعرها القصير الأسود الفاحم فكان غزيراً وناعماً بشكل غير عادي. وتنبه في تلك اللحظة إلى أنه لا يزال يجهل اسمها كاملاً أو عنوانها.

أثار هذا الجسد الغض القوي، الذي ما يزال ساكناً في نومه، شعورًا بالأسى والرغبة في حمايتها. ولكن الرقة المتناهية والتي استشعرها وهو تحت شجرة البندق حينما كان طائر الحسون يغرد لم تعاوده ثانية. وحسر الثوب عن جسدها وراح يتفحص خصرها الغض. وتذكر أن الرجل في الأيام السالفة كان ينظر إلى جسد الفتاة بشهوة ثم يكتفي بذلك. أما في هذه الأيام فلا يمكن أن تحس بالحب الخالص أو الشهوة النقية، فلم تعد هنالك عاطفة نقية لأن كل شيء بات يخالطه الخوف والكراهية. لقد كان عناقهما معركة ونشوتهما نصراً. كانت صفعة على وجه الحزب بل فعل تحدٍّ سياسي. 

قالت جوليا: «بإمكاننا أن نأتي إلى هنا مرة أخرى، فليس ثمة خطر في استعمال المخبأ الواحد مرتين، ولكن ليس قبل مضي شهر أو شهرين».

حين أفاقت جوليا بدّلت هيئتها، وأصبحت أكثر تنبّهاً وحيوية فارتدت ثيابها وشدت حزامها القرمزي حول خصرها ثم أخذت ترسم خطة الإياب، وبدا من الطبيعي أن تُترك لها مثل هذه المهمة، فقد كانت تمتلك ما يفتقده ونستون من خبرة ودهاء يتطلبهما مثل هذا الأمر، كما كان لديها معرفة شاملة بالريف المحيط بلندن تراكمت لديها عبر الرحلات الجماعية الكثيرة التي قامت بها. كانت طريق الإياب التي رسمتها له غير تلك التي سلكها في مجيئه حيث جعلته يستقل القطار من محطة غير تلك جاء منها عند ذهابه. وقالت له كمن يرسي مبدأ عاماً وهاماً: «إياك والعودة إلى البيت من الطريق نفسه الذي سلكته في الذهاب». وحسب الخطة كانت ستغادر المكان أولا فيما سينتظر ونستون نصف ساعة قبل أن ينطلق عائداً بعدها.

وقد عينت له مكاناً يمكنهما اللقاء فيه بعد انتهاء العمل في الليلة الرابعة من ذلك التاريخ. وكان المكان عبارة عن شارع ضمن أكثر الأحياء بؤساً حيث توجد سوق مكشوفة تعج دائماً بالضجيج والازدحام، وكان من المقرر أن تتجول بين الحوانيت متظاهرة بأنها تبحث عن رباط نعل أو خيوط لرتي الثياب، وحين ترى أن المكان آمنٌ فسوف تعطس حينما يقترب منها، وإن لم تفعل فعليه أن يمر بها كما لو كان لا يعرفها. وإذا ما حالفهم الحظ سيكون من المأمون أن يتبادلا أطراف الحديث لربع ساعة مستغلين الزحام الحاصل وعندها يمكنهما ترتيب لقاء آخر.

وبعدما انتهت من تعليماتها، قالت: «يتعين عليّ الانصراف الآن. يجب أن أكون هناك في السابعة والنصف، إذ ينبغي أن أناوب ساعتين في رابطة الشبيبة المناهضة للجنس أمضيهما في توزيع المنشورات وما شاكلها. أليس في ذلك سخف؟ من فضلك انفض لي ثيابي. ألا زالت هناك أغصان عالقة بشعري؟ هل أنت متأكد؟ إذن إلى اللقاء يا حبيبي، إلى اللقاء!»

قالت هذا وألقت بنفسها بين ذراعيه وأمطرته بقبلات مشبوبة، ثم انسلّت من بين ذراعيه لتشق طريقها عبر أشجار الدردار وتختفي في الغابة دون أن تحدث صوتاً. وحتى هذه اللحظة لم يكن ونستون قد عرف اسمها كاملاً أو عنوانها بعد. لكن ذلك لم يكن ذا أهمية لأنه من المستبعد أن يلتقيا داخل منزل أو أن يتبادلا أي شكل من أشكال الرسائل فيما بينهما.

لم يعودا مرة أخرى إلى ذلك المكان من الغاب. وعلى مدى بقية شهر أيار لم تتح لهما سوى فرصة واحدة لممارسة الحب . . وكان ذلك في مخبأ آخر تعرفه جوليا، إنها غرفة برج كنيسة مهدمة في منطقة ريفية شبه مهجورة حيث سقطت قنبلة ذرية قبل ثلاثين سنة. كان مخبأ آمناً، لكن بلوغه كان محفوفاً بمخاطر جمة. أما بقية اللقاءات فكانت تتم في الشارع، وفي مكان مختلف كل مرّة دون أن يتجاوز لقاؤهما الواحد نصف الساعة. ففي الشارع كان بإمكانهما أن يتبادلا الحديث بشكل ما. وكانا عندما يسيران على الأرصفة المزدحمة يحرصان على ألا يسيران متجاورين أو يلتفت واحدهما إلى الآخر، وفي أثناء ذلك يتبادلان حديثاً متقطعاً بصورة تبعث على الاستغراب حيث كان الحديث أشبه بضوء منارة يومض ولخبو، فمثلاً قد يضطرهما مرور أحد أعضاء الحزب بزيّه الرسمي أو اقترابهما من شاشة رصد إلى صمت مفاجئ ومطبق ثم يستأنفان حديثهما بعد دقائق قليلة مبتدئين من وسط جملة كانا قد قطعا حديثهما عندها. ثم فجأة يمسكان عن الحديث عندما يفترقان في المكان المتفق عليه ليواصلا ما انقطع من حديث في اليوم التالي دون مقدمات ومن حيث انتهيا. وبدا أن جوليا متمرسة تماماً على ذلك النوع من الحديث والذي كانت تسميه «الحديث بالتقسيط»، كما أنها كانت تتمتع ببراعة فائقة في التحدث دون أن تحرك شفتيها، ولم يتمكنا إلا مرة واحدة خلال شهر من اللقاءات الليلية من تبادل قبلة وذلك عندما كانا يسيران في شارع جانبي يخيم عليه الصمت (كانت جوليا لا تتحدث مطلقاً إلا عندما تكون في شارع رئيسي، وعندما سمعا صوت زئير يصم الآذان، واهتزت الأرض من تحت أقدامهما، وعبق الجو، وكان ونستون ممدداً على الأرض وقد أثخنته الجراح وانتابته حالة من الهلع، لا بد أن قذيفة صاروخية قد سقطت بالقرب منهما. وفجأة لم يشعر إلا ووجه جوليا لا يفصله إلا بضعة سنتيمترات عن وجهه. وكان وجهاً شاحباً شحوب الموتى حتى إن شفتيها الحمراوان اصطبغتا باللون الشاحب نفسه، وظن أنها لقيت حتفها فضمّها إليه وحينما جعل يقبّلها تبيّن له أنه يقبل وجهاً حياً دافئاً. لكن بعضاً من مادة غبارية حالت بين تلاثم شفاههما إذ كان كلا الوجهين مغطيين بطبقة من الملاط.

وكان يحدث في بعض المرات أن يبلغا مكان اللقاء ثم يضطران إلى المرور ببعضهما دون أن يتبادلا ولو إشارة، وذلك إما لأن إحدى الدوريات قد ظهرت في المكان أو لأن حوامة أخذت تحلق فوق الرؤوس. وحتى لو كانت لقاءاتهما لا تنطوي على مثل هذه الأخطار، فقد كان يتعذر عليهما أن يجدا وقت فراغ يلتقيان فيه، لأن ونستون كان يعمل ستين ساعة أسبوعياً في حين كانت جوليا تعمل أكثر من ذلك، كما كانت أيام عطلاتهما تتباين حسب ضغوط العمل ونادراً ما تتوافق. وفي كل الأحوال كان من النادر أن تحصل جوليا على أمسية خالية تماماً من الواجبات لأنها كانت تمضي وقتاً طويلاً للغاية في الاستماع للمحاضرات، والمشاركة في التظاهرات، وتوزيع المنشورات الخاصة برابطة الشبيبة المناهض للجنس، وإعداد الرايات الخاصة بأسبوع الكراهية، وجباية الأموال لحملة الادخار وما شاكل ذلك من نشاطات. وكانت تقول في ذلك أنه يفيد كتمويه: «فإذا التزمت بصغائر القواعد يمكنك خرق كبائرها». ومن ثم فإنها حثت ونستون على أن يتطوع بأمسية أخرى يمضيها في إعداد الذخائر وهو ما كان يضطلع به أعضاء الحزب شديدو الحماس. وهكذا كان ونستون يمضي أمسية من كل أسبوع، أربع ساعات من الملل القاتل في تجميع قطع معدنية صغيرة ربما كانت فتائل قنابل في ورشة باردة وسيئة الإضاءة حيث تختلط طَرَقات المطارق، على نحو باعث على الكآبة، بالموسيقى المنبعثة من شاشات الرصد.

وعندما التقيا في برج الكنيسة كان حديثهما المتقطع يتصل بعد وصل ما تخلله من فجوات. وقد حدث ذلك في ظهيرة يوم قائظ ملتهب حيث كان الهواء في الغرفة المربعة الصغيرة التي تعلو الأجراس راكداً وحاراً وتفوح منه رائحة نفاذة لروث الحمام. وقد جلسا لساعات يتحدثان فوق أرضية الغرفة المغطاة بالغبار وبأوراق الشجر المتساقطة، ومن حين لآخر كان ينهض أحدهما ليلقي نظرة عبر ثقوب الغرفة كي يتأكد من عدم قدوم أحد.

كانت جوليا في السادسة والعشرين من عمرها، وكانت تعيش مع ثلاثين فتاة أخرى في نزل. (وكان لديها مقولة تكررها: دائماً في مستنقع النساء! لَكَم أكره النساء). كانت تعمل، كما كان يظن، على آلات كتابة الروايات في قسم الخيال وتستمتع بعملها الذي يقوم أساساً على إدارة وتشغيل محرك كهربائي قوي. وبالرغم من أنها لم تكن «بارعة»، فإنها كانت مغرمة باستعمال يديها وتشعر بالارتياح كلما وقفت أمام الآلة، وكان بوسعها أن تصف المراحل التي تمر بها عملية تأليف رواية ابتداء بالتوجيه العام الذي تصدره لجنة التخطيط وانتهاء باللمسات الأخيرة التي تضعها الفرقة المنوط بها إعادة الكتابة. غير أن جوليا لم تكن تهتم كثيراً بشكل المنتج النهائي إذ كانت تقول إنها لا تأبه كثيراً بالقراءة، فالكتب في نظرها ليست سوى سلعة يتم إنتاجها مثلها مثل المربى وأربطة النعال.

لم يكن لديها ذكريات عما قبل الستينات، وكان الشخص الوحيد الذي أتيح لها أن تعرفه وكثيراً ما يتحدث عن أيام ما قبل الثورة هو جدّها الذي اختفى عندما كانت هي في الثامنة. وفي المدرسة كانت قائدة فريق الهوكي، وفازت بميدالية ألعاب الجمباز لدورتين متتاليتين. كما كانت قائدة فريق (في اتحاد الجواسيس) وأمينة سر أحد فروع رابطة الشبيبة قبل أن تلتحق برابطة الشبيبة المناهضة للجنس. لقد كانت دائماً تتمتع بشخصية ممتازة، بل إنها اختيرت (وهي علامة أكيدة تدل على السمعة الطيبة) لكي تعمل في أحد الأقسام الداخلية لقسم الخيال الذي كان ينتج روايات إباحية للعامة. وكان العاملون في هذا القسم ينعتونه بـ (ماك هاوس). ولقد أمضت فيه سنة حيث كانت تساعد في إنتاج كتيبات مغلفة ومختومة تحمل عناوين مثل (قصص مثيرة) أو (ليلة واحدة في مدرسة البنات) تسوّق بين شباب العامة في الخفاء فيبتاعونها باعتبارها من المحظورات التي حصلوا عليها.

سألها ونستون بفضول: «وعلام تحتوي هذه الكتب؟»

- تفاهات مقززة. إنها في الحقيقة تبعث على الملل. فهي جميعها تقوم على ست حبكات فقط تدور حولها ولكنهم يحوّرونها قليلاً في كل مرة. بالطبع أنا لم ألتحق بفريق إعادة الكتابة أبدأ، فدوري يقتصر على العمل على المكشاف (الكلايدسكوب) كلما أنني لست أديبة يا عزيزي ولا حتى مؤهلة لذلك.

عرف ونستون وملؤه الدهشة أن جميع العاملين في هذا القسم، ما عدا رئيسه، من الفتيات. والفكرة كانت أن الرجال أقل قدرة على كبح غرائزهم الجنسية من النساء، ومن ثم كانت المواد التي يتعاملون معها تجعل الرجل أكثر عرضة للفساد.

وأضافت قائلة: «إنهم حتى لا يحبذون وجود المتزوجات من النساء ضمن القسم، فهم يفترضون أن الفتيات دائماً عفيفات. ولكن أمامك الآن تقف واحدة منهن».

في السادسة عشرة أقامت جوليا أول علاقة لها، وكانت مع عضو من أعضاء الحزب في الستين من عمره، وانتحر لاحقا ليتجنب القبض عليه. وأضافت: «قد أسدى لي بذلك صنيعاً طيباً وإلا لكانوا قد انتزعوا اسمي منه فيما سيدلي به من اعترافات». ومن ذاك الحين عرفت الكثيرين غيره، فقد كانت الحياة من وجهة نظرها بسيطة للغاية، فالمرء يود لو يمضي أوقاتاً طيبة بينما، هم، وتعني الحزب، يريدون لو يحولوا دون ذلك. ولذا فإن المرء يلجأ لخرق هذه القواعد قدر استطاعته. وبدا أنها تعتقد أن من الطبيعي أنهم يريدون أن يسلبوك ملذاتك بقدر ما هو من الطبيعي أن يحاول المرء الإفلات من قبضتهم. وكانت تكن كرهاً للحزب ولا تتردد في التعبير عن ذلك بأشنع الكلمات. لكنها لم تكن توجه له انتقادات تعميمية إلا حينما يمس الأمر حياتها الشخصية فساعتئذ لم تكن تأبه مطلقاً بعقيدة الحزب. ولاحظ ونستون أنها لا تستعمل مطلقا أياً من مفردات اللغة الجديدة ما عدا تلك المتداولة في الاستخدام اليومي للغة. فمثلاً لم تسمع مطلقاً بما يسمّى «الأخوة» بل وأنكرت وجودها. وكانت ترى أن أي شكل من أشكال الثورة المنظمة ضد الحزب محكوم عليه بالفشل ولا يقوم به سوى الأغبياء والحمقى، وأما الحذاقة في نظرها فهي أن يخرق المرء القواعد ويظل على قيد الحياة بعد ذلك. وتساءل ونستون في نفسه عن عدد الذين يفكرون على شاكلتها من الجيل الأصغر، إنهم أناس تربّوا في عهد الثورة ولم يعرفوا عهداً سواه، حيث يسلّمون بالحزب كما لو كان قدراً مقدّراً لا يتغير مثله مثل المساء، فلا يتمردون على سلطته وأقصى ما يتجرّأون عليه هو أن يروغوا منه كما يروغ الأرنب من الكلب.

ولم يتطرقا في حديثهما إلى إمكانية زواجهما، فقد كان ذلك أمراً صعب المنال ويجب حتى عدم التفكير فيه. إذ لا يمكن حتى تخيل فكرة أن تسمح اللجنة المعنية بمثل هذا الزواج وحتى لو أمكن التخلص من كاترين، زوجته السابقة، بطريقة ما، فإن زواجهما كان سيظل أمراً مقطوعاً منه الرجاء تماما كحلم يقظة.

وسألته جوليا: «كيف كانت زوجتك؟»

فأجابها: «إنها كانت... هل تعرفين كلمة «التفكير الصالح» في اللغة الجديدة؟ والتي تشير إلى الولاء الحق الذي يكنه شخص للحزب بل وعدم قدرته على التفكير الطالح».

- كلا لم تمرّ عليّ هذه الكلمة، ولكني على دراية جيدة بمثل هذا النمط من الأشخاص.

وبدأ ونستون يروي لها حكاية زواجه وكانت دهشته شديدة حينما استبان له أنها على علم بتفاصيلها الرئيسية بالفعل، إذ أمسكت بزمام الحديث بدلاً عنه وأخذت تصف له، كما لو كانت قد رأت جسد كاترين أو تحسسته، كيف أنه يتيبس بمجرد ملامسته لها وكيف أنها تدفعه عنها بكل ما أوتيت من قوة حتى حينما تكون ذراعاها تطوقان عنقه. ولم يجد ونستون غضاضة في الحديث عن مثل هده الأمور مع جوليا. فعلى أي حال لم تعد كاترين وذكراها تقض مضجعه منذ زمن طويل إذ غدت مجرد ذكرى بغيضة على نفسه.

قال لها: «لقد كان في استطاعتي احتمالها لولا شيء واحد»، وأخبرها عن ذلك الطقس الذي كانت كاترين ترغمه على ممارسته في الليلة نفسها من كل أسبوع. وأضاف: «لقد كانت تمقت هذا الطقس ولكن لم يكن لأي شيء في الوجود أن يجعلها تكفّ عنه. لقد دأبت على تسميته...، هل لك أن تخمني؟»

قالت جوليا: «أواجبنا إزاء الحزب».

قال لها: «وكيف عرفت ذلك؟»

- لقد كنت في المدرسة يا عزيزي حيث يتلقى من هم فوق السادسة عشرة درساً في الجنس مرة في الشهر. أما داخل حركة الشبيبة فهم يغرسونه فينا غرساً على مدى سنوات، بل وأجرؤ على القول إن ذلك كان يترك تأثيراً عميقاً لدى كثير من الفتيات ولكن لا أحد يمكنه التصريح بذلك فالناس مراؤون جداً فيما يتصل بذلك.

وراحت جوليا تسترسل حول الموضوع. فمع جوليا كل شيء يرتبط بغريزتها الجنسية، فحالما يلامس أحد هذه الغريزة فإنها تصبح حادة الذكاء. وهي خلافاً لونستون كانت قد فطنت إلى المعنى الباطني للطهر الجنسي الذي يحث عليه الحزب. فهذه الغريزة لا تني توجد عالماً خاصاً بها خارج سلطان الحزب، ومن ثم كان يتعين استئصالها إذا أمكن، بل الأهم من ذلك أن الحرمان الجنسي يفضي بعضو الحزب إلى حالة من الهستيريا، وهو أمر مرغوب فيه حيث يمكن تحويله إلى نوع من حُمّى الحرب وعبادة الزعيم. وقد بسطت فكرتها على النحو الآتي:

«عندما يمارس المرء الجنس فإنه يستنفد قواه ويستشعر نوعاً من اللذة تجعله لا يأبه بعدها بشيء. وهم لا يرغبون في ذلك، لأنهم يريدونك أن تكون شعلة من النشاط طوال الوقت. وليست كل هذه المسيرات التي لا تهدأ وما يصحبها من هتافات وتلويح بالرايات إلا تنفيساً لطاقة جنسية مكبوتة. فلو كان المرء مبتهجاً في قرارة نفسه فما الذي يدفعه للاهتمام بالأخ الكبير وبالخطط الثلاثية ودقيقتي الكراهية والبقية الباقية من ترهاتهم اللعينة».

واعتبر ونستون أن ما قالته جوليا صحيحٌ، فثمة صلة وثيقة ومباشرة بين إجبار المرء لنفسه على العقة وبين ولائه السياسي. إذ كيف يتسنى للحزب ضبط مستوى الخوف والكراهية والتصديق المطلق لدى أعضائه عند الحد المطلوب، إلا من خلال الضبط القسري لبعض الغرائز القوية لاستخدامها فيما بعد كقوة دافعة؟ ولأن الحافز الجنسي كان مصدر خطر على الحزب فقد كان يُخوّل لمصلحته، وكذلك كانوا يلعبون لعبة مماثلة مع غريزة الأبوة والأمومة، فمع أن مفهوم الأسرة ظل قائماً، وظل يتم تشجيع الآباء والأمهات على إبداء حبهم لأطفالهم بالطريقة نفسها المتبعة في العهد القديم تقريباً، فإن الأطفال على الجانب الأخر كان يتم تحويلهم، وبطريقة ممنهجة، للعمل ضد آبائهم كما يُدَرَّبون على التجسس عليهم والإبلاغ عن أي انحرافات تظهر. وهكذا أصبحت الأسرة امتداداً لشرطة الفكر، ووسيلة لضرب نوع من الحصار حول كل فرد بواسطة عملاء يحصون عليه كل حركاته وسكناته ليلاً نهاراً.

وعلى نحو مفاجئ عاود التفكير في كاترين والتي كانت ولا ريب ستشي به إلى شرطة الفكر لولا أنها كانت من الغباء إلى حدّ يجعلها لا تدرك الانحرافات الحاصلة في آرائه عن عقيدة الحزب، لكن الشيء الذي جعلها تخطر بباله حقيقة هو حرارة الجو الخانقة في ذلك التوقيت والتي جعلت العرق يتفصّد من جبينه، فبدأ يخبر جوليا عن شيء قد حدث، أو بالأحرى لم يحدث في ظهيرة صيف أخرى شديدة القيظ منذ إحدى عشرة سنة.

كان ذلك بعد ثلاثة أو أربعة أشهر من زواجه، حينما ضلا طريقهما أثناء رحلة جماعية في مقاطعة «كنت»، ولم يتخلفا عن الأخرين سوى دقيقتين إذ سلكا منعطفاً خاطئًا، وفي الحال وجدا نفسيهما عند جرف لمحجر طباشير قديم بلغ ارتفاعه ما بين عشرة أو عشرين متراً وفي القاع كانت تتراكم كتل من الصخور. وقد ضلّا طريقهما، وحالما أدركا ذلك بدت كاترين شديدة الانزعاج، فقد كان مجرد بُعدها عن الضجيج المنبعث من أصوات الرفاق كفيلاً بأن يشعرها بأنها قد اقترفت إثماً. وكانت تريد العودة سريعاً من الطريق الذي سلكاه خطأً ثم تبدأ البحث في الاتجاه الآخر. بيد أنه في هذه اللحظة استرعى انتباه ونستون بعض الزهور التي تنمو وسط شقوق الجرف الذي تحتهما. وكان بعضها ذا لونين، رغم أنهما ينبتان من الجذر نفسه.

ولأن ونستون لم يكن قد رأى زهوراً كهذه من قبل، فقد صاح: «انظري كاترين! انظري إلى هذه الزهور. تلك التي تنمو قرب القاع. إنها ذات لونين مختلفين؟»

كانت كاترين قد ولت وجهها نحو طريق العودة، ولكنها اضطرت مغتاظة أن تعود. وانحنت برأسها فوق حافة الجرف لتنظر إلى حيث يشير، كان ونستون يقف خلفها على بعد مسافة قليلة منها وقد وضع يده حول خصرها خشية أن تفقد توازنها. وفي هذه اللحظة خطرت بباله فجأة فكرة أنهما وحيدان تماما؛ فما من مخلوق بشري حولهما وما من ورقة شجر تهتز بل ولا طائر يرفرف بجناحيه. وفي مكان كهذا المكان كان احتمال وجود ميكروفون مخبأ احتمالاً جد ضئيل، وحتى لو وُجد ميكروفون فإنه لن يلتقط إلا الصوت. لقد كانت تلك الساعة أشد ساعات الظهيرة قيظاً وأكثرها إغراءً للنوم، حيث كانا يصطليان تحت أشعة الشمس، وتتصبب حبات العرق على وجه ونستون. وسرعان ما خطرت له الفكرة....

سألته جوليا: «ولماذا لم تُلقِ بها من فوق الجرف؟ لو كنت مكانك لفعلت».

فقال: «نعم عزيزتي كنت ستفعلين. بل إنني كنت سأفعل، أو ربما كنت سأفعل، ذلك أيضاً لو أنني كنت على ما أنا عليه الآن. إنني لست متأكداً على أية حال».

- هل أنت آسف على أنك لم تفعل؟

- اجل، إجمالاً أنا آسف.

كانا يجلسان جنباً إلى جنب على الأرض المغطاة بالغبار فجذبها إليه وضمها ثم أراح رأسها على كتفه فتغلبت رائحة شعرها الجميلة على رائحة روث الحمام. كانت في ميعة الصبا ولا تزال تنتظر الكثير من الحياة، بيد أنها لم تدرك أن دفع شخص بغيض من فوق جرف والتخلص منه لن يحل المشكلة.

قال: «الواقع أن ذلك لم يكن ليغير من الأمر شيئاً».

قالت جوليا: «علام إذن الأسف لأنك لم تتخلص منها؟»

قال: «لأنني أفضّل الإيجابي على السلبي، ففي هذه اللعبة التي نلعبها ليس في استطاعتنا أن نفوز، إذ كل ما في الأمر أن بعض الفشل أهون من بعض».

وحينذاك أحس بارتعاشة سرت في كتفيها كدلالة على عدم موافقتها، إذ كانت تعارضه دائماً كلما تفوه بأشياء من هذا القبيل. فهي لا تسلّم إطلاقاً بفكرة أن قانون الطبيعة يحكم على الفرد دائماً بالهزيمة. وبطريقة ما كانت تعلم أن مصيرها إلى زوال، ذاك أن شرطة الفكر، إن عاجلاً أو آجلاً، ستلقي القبض عليها وتزيلها من الوجود. لكنها من وجهة نظر أخرى كانت تؤمن أنه من الممكن، بشكل من الأشكال، إقامة عالم يعيش في الخفاء ويمكنك العيش فيه حسبما تشاء وتختار. وكل ما تحتاج إليه لتحقيق ذلك العالم هو حظ ودهاء وجرأة. بيد أنها لم تدرك أنه ليس ثمة ما يسمى بالسعادة، وأن النصر الوحيد الذي يمكن تحقيقه قابع في المستقبل البعيد الذي سياتي بعد موتك بأمد طويل، كما لم تكن تدرك أنه يجدر بالمرء أن يعتبر نفسه جثة بلا روح منذ اللحظة التي يعلن فيها الحرب على الحزب.

علّق: «إننا في عداد الموتى».

فقالت جوليا بإصرار: «إننا لم نمت بعد».

قال: «أوافقك أننا لم نمت جسدياً. لكن بعد ستة أشهر، سنة، خمس سنوات حسبما أتصور سنكون من الموتى. إنني أخاف الموت، وأنتِ أصغر مني سنًا وربما تخافين الموت أكثر مني. لا ريب أننا سنحاول إرجاء قدومه قدر المستطاع، وإن كان ذلك لن يغير من حقيقة الأمر شيئا، فما دام الإنسان هو الإنسان فإن الموت والحياة لديه يصبحان وجهين لعملة واحدة».

قالت جوليا: «إن هذا لهراء. ترى مع أي منا تحب ان تنام الآن، معي أم مع هيكل عظمي؟ ألا تستمتع بكونك على قيد الحياة؟ ألا تحب أن تتحسسني؟ ها أنا ذا، وهذه يدي، وهذه ساقي، أنا حقيقية، أنا موجودة، إنني حية! ألا تحب هذا؟»

ودنت منه لتضغط بصدرها على صدره. أحسّ نهديها ناضجين وبارزين من خلال معطفها. وبدا جسدها كما لو كان يصبّ بعضاً من عنفوانها وحيويتها في جسده.

فأجاب: «بلى، أحب ذلك».

قالت: «إذن كف عن ذكر الموت. والآن أصغِ إليّ عزيزي، علينا أن نتفق على موعد لقائنا القادم، يمكننا أن نعود إلى مكاننا في الغاب، فقد غبنا عنه فترة طويلة، ولكن يجب علينا أن نسلك طريقاً آخر هذه المرة. لقد حددت كل شيء. استقل القطار... لكن انظر، سأرسمه لك»

وبطريقتها العملية مسحت جزءاً صغيرًا من الأرض المغطاة بالغبار، واستلّت ريشة من عش حمام وراحت ترسم خريطة الطريق.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent