خبر
أخبار ملهلبة

شراً تِعمل خيراً تِلقى (1) | خارج المألوف


طفل يجلس على الأرض وظهره للحائط ويداه مقيدتان بالحبال

شراً تِعمل خيراً تِلقى
( من زرع الشر حصد الخير ) (1)

 

 

خرج المقدّم "حجّاج عبدالجبّار" ضابط المباحث لتوِّه مسرعاً من منزله وما إن وصل لسيّارته حتَّى فوجئ بسيّارة جاره واقفة تسد عليه الطريق؛ فنادى على البوّاب ووجّه إليه فاصلاً من السباب ثم قال :

- أنا مش قلت لك ما حدّش يركن لا جنبي ولا قدّامي ولا ورايا.. هو الراجل ده ما يعرفش إن العربيّة اللي هوَّ قافل عليها دي تبقى عربيتي؟

- لأ عارف يا باشا.. بس هوَّ كان مستعجل علشان نسى حاجة ف البيت وطلع يجيبها ونازل على طول.

- وانا ح استنّى سيادته بقى إن شاء الله؟

- لأ يا باشا.. ما هو منزّل فرامل اليد وقال لي : {لو "حجّاج" بيه ح يطلع بعربيته قبل ما انزل ابقى زق عربيتي قدّام شويّة}.. إتفضّل بس سيادتك اركب عربيتك.. ثانية واحدة.

- طيّب يا خويا زُقّها خليني اطلع.. جَاتَك القرف منّك لُه ع الصبح.

- أهو يا باشا.. آديني زقِّتها.. مِش الحتّة دي كفاية تطلّعك؟

- آه كفاية.. بس لازم اسيب له تِذكار علشان ما يبقاش يركن جنبي تاني مرّة.

و استجمع "حجّاج" قواه وركل المرآة الجانبيّة لسيّارة الجار بقدمه فكسرها وسط دهشة واستنكار البوّاب الذي لم يسلم أيضاً من "حجاج" الذي أبى أن يمضي في طريقه دون أن يترك تِذكاراً آخر للبوّاب كان عبارة عن صفعة قويّة طبعها على وجهه حتَّى يتعلّم ألا يدع أحداً يفعل ما فعله الجار.

وركب "حجّاج" سيّارته قاصداً مكتب توثيق الشهر العقاري حيث ينوي تسجيل عقد ملكيّة شقّة كان قد اتفق على شرائها من أحد الأشخاص، وعند دخوله المكتب وجد صاحب العمارة التي تقع بها الشقّة منتظراً فسأله :

- سلام عليكم.. بقالك كتير مستنّي؟

- حوالي ساعة إلا ربع.. وحاولت أتّصل بسيادتك كان تليفونك خارج نطاق الخدمة.

- معلهش.. أصل كان فيه واحد حيوان قافل عليَّ بعربيته.. جِبت العقد؟

- العقد مع المحامي.. ولمّا حضرتك اتأخّرت قال لي إنه ح يروح مكتب البريد القريّب من هنا علشان يستلم جواب مسجّل وح يرجع على طول.

- يعني أنا ناقِص الحيوان ده راخَر.. أنا كده ح اتأخّر على شغلي.

- زمانه جاي يا باشا.

- طَب خُد العشر آلاف جنيه المقدّم دول عِدُّهم عقبال ما ييجي.

- عشرة؟.. سيادتك مُصمم برضه.. واللهِ الشَقَّة تساوي أكتر من ميتين ألف جنيه كاش.

- باقول لك إيه.. هوّ اللي ح نعيده نزيده.. ما قُلنا ميّة وخمسين حلوين قوي.. آدي عشرة والباقي على خمس سنين.. ما توجعش دماغي.. وبعدين كفاية إني ح اسكن ف عمارتك.. ده يساوي كتير.. يعني ما حَدّش م الحي ح يستجرى يقرِفك كل شويّة.. إنت بس ادّيهم الكارت بتاعي اللي ادّيتهولك.. ولو برضه غلّسوا معاك كلمني.. انا ح اعرف شغلي معاهم.

- حاضر يا "حجّاج" باشا.. اللي تشوفه.. بس حضرتك قلت لي ليه اخلّي المحامي يكتب ف العقد إن تَمَن الشقّة ميتين وخمسين ألف؟.. وليه يكتب تاريخ البيع من شهر فات؟

- علشان ح اخد قرض بضمان الشقّة.. هبطت؟.. اتّصل بقى بالمحامي الزِفت ده شوفه اتأخّر ليه؟

- أهو جا أهو.

وبينما كان المحامي يتقدّم نحوهما لمحه "حجّاج" لمحةً خاطفة سرعان ما تبدّلت إلى تأمّلٍ وإمعان، فقد كان المحامي يشبه إلى حَدٍّ كبير "حاتم" الأخ الأكبر "لحجّاج"، ولحظتها مَرَّ بمخيّلة "حجّاج" شريطٌ سريعٌ من الذكريات :

 [[[[[ فقد مات الأب إثر مرضٍ عُضال بعد الأم بعامين فقط وقد تركا ولديْن، كان الأكبر "حاتم" في السنة الإعداديّة بكليّة هندسة "عين شمس" وكان الأصغر "حجّاج" في الشهادة الإعداديّة، وقد تركاهما وحيديْن دون أقاربٍ يرعونهما، ولأن معاش الأب الشهري وريع الفدادين الثلاثة السنوي التي تركها الأب لولديْه لم يكونا ليمكّناهما من العيش بكرامة فقد اضطُر الأخ الأكبر أن يضحّي ويُؤْثِر أخاه الأصغر على نفسه ويترك دراسته ليعمل بشهادته الثانويّة كاتباً بالمحكمة؛ في حين استمر "حجّاج" بالدراسة الإعداديّة ثم الثانوية إلى أن التحق بكليّة الشرطة بعد وساطةٍ كبيرة من المستشار رئيس المحكمة التي يعمل بها أخوه، وبعد تخرّجه ضابطاً عمل في المباحث الجنائيّة بوساطةٍ أخرى سعى إليها شقيقه "حاتم"، وعندما أراد "حجّاج" أن يتزوّج سأل أخاه أن يبيع الثلاثة فدادين ويأخذ نصيبه فيها ليغطّي مصاريف الزواج ولكن "حاتم" رفض رفضاً قاطعاً لأنه كان يعتز بأرض والده الذي أوصاه ألا يفرّط فيها أبداً بعد أن كتبها باسمه وحده قبل أن يموت، فما كان من "حجّاج" إلا أن غضب واحتدَّ على أخيه الذي وعده بأن يفعل كل ما في وسعه ليدبّر تكاليف الزواج على أكمل وجه دون المساس بالأرض، وفي غضون عاميْن وَفَّى الأخ الأكبر بوعده بعد أن عمل سائقاً لسيّارة أجرة مساءً بجانب عمله في المحكمة صباحاً، ومرّت السنين وقد فات "حاتم" قطر الزواج؛ وبعد أن أنهى مهمّته تجاه أخيه انضم لإحدى الجماعات الإسلاميّة المناهضة لنظام الحُكم ونذر نفسه فِداءً لوطنه فخشى أن يتزوّج وينجب أبناءً ثم يُلقَى القبض عليه أو يُقتَل مِمَّن يناهضهم فتتشرّد أسرته ويتكرر نفس سيناريو فقدان الأب الذي مرَّ به هو وأخوه، أمّا "حجّاج" فقد فشل في الإنجاب من زوجته فلجأ إلى الأطباء الذين أجمعوا على استحالة الإنجاب إلّا بعد عمليّة تلقيحٍ صناعي تستوْجب دفع مبلغٍ كبيرٍ من المال لم يكن ليتوفّر "لحجّاج" في ذلك الوقت، فراودته فكرة بيع الأرض مرّةً أخرى ولكنه اصطدم برفض "حاتم" الشديد لمبدأ البيْع ناهيك عن رفضه إعطاء أخيه نصف الأرض بالرغم من اعتراف "حاتم" بحق أخيه في ذلك حتَّى لا تسوّل له نفسه بيع نصيبه،ولم يستطِع "حجّاج" أن ينتظر سنواتٍ أخرى حتَّى يتوفّر مبلغ العمليّة ففكّر في طريقةٍ جُهنّميّة يضرب بها عصفوريْن بحجرٍ واحد، العصفور الأوّل : هو التخلّص من أخيه الذي يهدد مستقبله في سِلك الشرطة؛ فبديهي أن أي ضابط يثبت على أحدٍ من أقاربه القيام بأعمال من شأنها زعزعة نظام الحكم أن يتم إحالته للاستيداع بالمعاش فوْراً، والعصفور الثاني : هو أن يستولى على كامل الأرض ويكون حُرّاً في التصرّف بها، أمّا الحجر فقد ألقاه "حجّاج" بأن أَوْهَم أخاه بأنه عرف من زميلٍ له بجهاز أمن الدولة بأن الجماعة الإسلاميّة التي ينتمي إليها "حاتم" قد وُضِعَت تحت المراقبة وأن أفرادها قد يتم اعتقالهم أو تصفيتهم فور استكمال رَصد تحرّكاتهم، ونصح "حجّاج" أخاه بألّا يغادر منزله لأن حياته في خطر، وبعد يوميْن حصل "حجّاج" من أحد المزوّرين الذين يعرفهم بحكم عمله على جواز سفرٍ مُتْقَن التزوير باسمٍ مستعار عليه تأشيرة دخول "لبريطانيا" وعليه أيْضاً صورة أخيه، وذهب "حجّاج" إلى "حاتم" وهو متنكّر ومعه جواز السفر وتذكرة ذهابٍ بلا عوْدة من مطار "القاهرة" إلى مطار "هيثرو" "بلندن" في فجر اليوم التالي مباشرةً، وأمره بأن يرحل عن "مصر" وأَوْهَمه للمرّة الثانية بأن أمر تصفيته الجسديّة قد تحدّد مساء الغد، وقبل أن يودّعا بعضهما طلب "حجّاج" من أخيه عدم الاتصال به أبداً لحرج موقفه فتفهّم "حاتم" الأمر وأدرك أن أخاه خائفٌ على مستقبله فتمنّى له التوفيق راجياً من الله أن يجمعهما قريباً، وبعد أن سافر "حاتم" وانقطعت أخباره استطاع "حجّاج" أن يبيع الأرض بصفته الوارث الشرعي الوحيد لأخيه بعد أن استخرج له شهادة وفاةٍ مزوَّرة. ]]]]]

- يا "حجّاج" باشا.. يا باشا.. إيه إنت رُحت فين؟

- هَه.. لامؤاخذة.. الظاهر إني سرحت شويّة.

- أقدّم لسيادتك أستاذ "جميل عبد الملاك" المحامي.

- أهلاً.. معاك العقود؟

- أهِه معايَّ ف الشنطة.

- طيّب تمام.. ياللا بقى هاتها نمضيها.. وخد شيكات بباقي المبلغ.. ميّة واربعين ألف جنيه.. أوْعى تكون نسيت تكتب تاريخ البيع وتمن الشقّة زي ما اتفقنا؟

- لأ اطمّن.. زي ما أمرت حضرتك.. البيع من شهر.. والتمن ميتين وخمسين ألف.. مع إني كمحامي مش عاجباني الحكاية دي.. إزاي تدفع حضرتك ميّة وخمسين وتكتب ف العقد ميتين وخمسين؟.. إفرض حبّيت ترجع في الشِرا.. كده ح تاخد مية ألف زيادة فوق اللي دفعتهم.

- إن شا الله ما عجبك.. أبوها راضي وانا راضي.. إنت مال أهلك؟.. إنت حيا الله حِتّة محامي.. ح تكتب العَقْد وتخلّص الإجراءات وتاخد حسنتك وتتّكل على الله.. وبعدين انا ما ارجعش ف كلمتي أبداً.. ما تقول له يا بتاع انت انا ابقى مين.

- معلهش يا باشا.. اللي ما يعرفك يجهلك.. لا يا متر ما لكش حق.. "حجّاج" باشا راجل بريفيكس عشرة على عشرة.. خلاص بقى سماح المرّة دي يا باشا.. إتفضّل بقى علشان نلحق مكان ف الطابور.

- أنت عبيط؟.. طابور إيه ده اللي انت عاوزني اقف فيه.. إتفضّلوا ورايا ع المدير.

وأنهى "حجّاج" الإجراءات في زمنٍ قياسي ثم اتجه إلى مقر عمله بمديريّة الأمن حيث وجد معاون المباحث منتظراً وقد أعد له بعض القضايا التي يتم التحقيق فيها والتي تنتظر استكمال أوراقها ودار بينهما هذا الحديث :

- صباح الخير يا "حجّاج" بيه.

- صباح النور.. حضّرت كام قضيّة النهار ده.

- تلاتة.

- العيال المتهمين فين؟

- ف الأوضة التانية بنعمل معاهم الواجب علشان يدخلوا لسيادتك مستويّين.

- كويّس.. يا رب ما يتعبوني معاهم.. حاكم انا النهار ده مش متظَبَّط.

- إن شاء الله مش ح ياخدوا ف إيدك غلوة.. أصلنا بقالنا ساعتين معاهم.. وبعدين احنا عارفين نظام شغل سيادتك.. الاعتراف سيّد الأدلة.. علشان النيابة ما توجعش دماغنا بالإجراءات الشكليّة بتاعتها دي.

- الله ينوَّر.. المتهم اللي يدخل لي لازم يعترف.. حتَّى لو ما عملش حاجة.. ما هو ما فيش دخّان من غير نار.. أكيد له دخل بالقضيّة.. أومّال يعني ح نطلّع تحريّاتنا غلط؟.. إحنا لازم نستوفي أوراقنا.. يعني اللي ييجي لي لازم يمضي ويبصم ع اللي انا عاوزه.. أومّال انا تقديراتي السريّة كلها ممتازة ليه؟.. علشان ما فيش قضيّة بتطلع من عندي ناقصة حاجة.

- سيادتك ح تقول لي.. ده معاليك أصغر مدير مباحث جا المديريّة.

- طَب ياللا يا خويا وبلاش مسح جوخ ع الصبح.. هات أوّل قضية.

ودخل المتهم الوحيد في القضيّة الأولى وكان منهاراً من فرط التعذيب فلم يستغرق وقتاً طويلاً حتَّى وقّع وبصم على اعترافٍ تفصيلي، ثم دخل المتهمان في القضيّة الثانية وحاولا الإنكار في البداية إلا أنهما لم يصمدا طويلاً بعد أن أمر "حجّاج" أحد جلّاديه بخلع بعضاً من أظافرهما ثم حرق مكان كل إظفر مخلوع بأعقاب السجائر حتَّى يتوقّف تساقط قطرات الدم من مكان الخلع فلا تتسخ أرضيّة الحجرة، وكان "حجّاج" يتولّى ضربهما بعصاةٍ من الخَيْزُران مع السَب والشَتم والبَصق بيْن الفيْنة والأخرى إلى أن رفعا الراية البيضاء وأَتَمّا اعترافهما على النحو الذي يرضيه، أمّا المتّهم الوحيد في القضيّة الثالثة فقد دخل مكبّلاً بالأصفاد في رُسغَيْه وكاحليه وكان يبدو متماسكاً إلى حدٍ ما رغم هُزاله الشديد فعاجله "حجّاج" بالسؤال التقليدي الأشهر :

- إسمك إيه يا روح امّك؟

- إسمي "بخيت" يا باشا.

- واسم أمّك إيه يا إبن ال......

- بلاش تدخّل امّي ف الموضوع يا باشا.

- طيّب خلاص.. إعترف إنك انت اللي سرقت شقّة الهرم وامضي وابصم وغور من هنا.

- بس انا واللهِ العظيم ما سرقت.. أنا جاي هنا غلط.

- وانا مصدّقك.. شكلك كده بتقول الحقيقة.. وعلشان كده أنا ح اخدمك.. ح اخلّيك تتصل بأي حد انت عايزه.. هات لي المحمول يا ابني.

وأعطاه أحد الجلّادين جهازاً يشبه الهاتف المحمول فقرّبه "حجّاج" من أذن المتّهم طالباً منه أن يقول "آلو"، وما إن لمس الجهاز أذن المتّهم حتَّى ضغط "حجّاج" على أحد أزراره فخرجت شحنة كهربيّة عالية لها أزيزٌ تقشعر له الأبدان فصعقت المتّهم الذي تأَوَّه بصوتٍ عال، وتكرر ذلك أكثر من مرّة حتَّى خارت قوى المتّهم فتداعى على ركبتيْه فأمره "حجّاج" بأن يسجد تحت قدميه ويقبّل حذائه فأبى المتّهم في بداية الأمر ولكنه رضخ بعد أن تزايد الضرب المبرّح والركل العنيف فسجد واقترب من حذاء "حجّاج" وهو يرتعش من شدّة الآلام فنهره "حجّاج" قائلاً :

- إبعد يا ابن الـ..... ح توّسخ الجزمة.. بس بما إنك وطّيت خلاص انا ح اعزمك على إزازة "بيبس" متينة.. ياللا يا جماعة اعملوا واجب الضيافة مع الراجل.. قصدي اللي كان راجل.

وهنا انبرى رجلان فخلعا عن المتّهم سرواله وما تحته من لباسٍ داخلي وأجلساه القرفصاء في حين أحضر ثالثٌ زجاجة مياهٍ غازيّةٍ فارغة ووضعها قائمةً على الأرض تحت المتّهم، وضغط الرجلان على كَتِفَيْ المتّهم من أعلى إلى أسفل ليجبروه على الجلوس على فوّهة الزجاجة بالقوة، فبدأت تنفذ إلى داخل شرجه وهو يصرخ من الإهانة قبل أن يصرخ من الألم، أمّا "حجّاج" فكان يشعل سيجارة وينفث دخّانها في الهواء في عدم اكتراثٍ وهو يقول :

- خِف عليه يا بني انت وهوَّ.. ما تشرّبوهوش الإزازة كلها على بُق واحد.. خلّوه ياخدها واحدة واحدة علشان ينبسط.. ولو لقيتوه لسّه عطشان شرّبوه واحدة تانية بس من الحجم العائلي أبو لتر علشان ما نبقاش حرمناه من حاجة.

google-playkhamsatmostaqltradent