خبر
أخبار ملهلبة

الحجرة رقم 12 (3) | الجريمة | نجيب محفوظ

 

يد ضخمة تحمي ماكيت لمنزل صغير من الغرقنحت المياه

الحجرة رقم 12 (3)

 

 

وبدأ تساقط المطر، وأرعدت السماء، ولمع الأسفلت عند مدخل الفندق بأضواء المصابيح ودغدغة المطر، وتتابع دبيب الأقدام، وارتفعت صيْحات غلمانٍ مهلّلة، ولجأ عابرون إلى عنق المدخل، وتوالت الضربات المرجِفة فوق زجاج النافذة، غادر مكانه إلى مُقَدِّم المدخل فقلّب وجهه في السماء المظلمة ثم نظر إلى الأرض فرأى السيل المنهمر ينصب عليها كالحصى ويجرف منحدراتها كالطوفان، لقد تلبّد واحتدم ثم انفجر.

-       إنه مطرٌ لم يسقط نظيره منذ جيلٍ على الأقل.

وتذكّر سيْلاً شبيهاً بهذا حفر ذكراه في رأسه منذ صباه، تذکّر کیف انقطعت المواصلات وسُدَّت الحواري وغرقت الحجرات تحت الأسقف المتهرئة، ورجع إلى مكانه فالتزمه حرصاً على السجلات والخزانة ولكنه أصدر أوامره بتشديد المراقبة في الحجرات وفوق السطح، واستدعى شیخ الفرّاشين وسأله:

-       ما أخبار الحجرة (۱۲)؟

فلوى الرجل شفتيْه وقال:

-       تواصل الغناء والضحك .. إنهم مجانين.

ولمح على باب الاستراحة "سيّد الأعمى" فصاح به بأعلى صوته:

-       ارجع إلى مكانك.

استأذنه الرجل بإشارةٍ من يده فصاح به مرّةً أخرى:

-       ولا كلمة.

وجعجع الرعد کانفجار القنابل وانهل (هطل وانهمر) المطر في سرعةٍ وغزارةٍ جنونیّتيْن فقال لنفسه بقلق إن الفندق قديمٌ لم يُشَيَّد بالخرسانة المسلّحة، وأن الليل ينذر بالمتاعب.

وجاءه فرّاشٌ وقال:

-       تصاعدت الشكوى من الحجرة (۱۲) من رشح السقف والبلل.

فقال بحنق:

-       سكت الغناء والضحك؟ .. فليغادروا الحجرة.

-       ولكنهم لا يستطيعون!

فصرفه واستدعى رئيس الفرّاشين وسأله فيما قال الرجل فقال:

-       الحجرات كُلّها ترشح .. سأجنّد الفرّاشين لسد الثغرات فوق السطح بالرمال.

-       والحجرة (۱۲)؟

-       لقد انحشروا .. انزنقوا .. امتلأت بطونهم فانتفخت .. تعذّر فتح الباب .. تعذّرت الحركة.

اجتاح الهياج الكوْني الفضاء في الخارج، أمّا في الداخل فقد دبّت حركة نشاطٍ شاملة وانطلق الفراشون بأكياس الرمال، وحدثت مفاجأةٌ غير متوقّعة، إذْ هَبَّ المنتظرون في الاستراحة متطوعين للاشتراك في العمل، راقب المدير ذلك بارتياح، وارتاح بصفةٍ خاصّةٍ لتخلّف "سيّد الأعمى".

وبعد نصف ساعة رجع شيْخ الفراشين ليطلعه على سيْر العمل، قال:

-       إنهم يعملون بهمةٍ عالية.

ثم بعد تردّدٍ:

-       أما أصحابنا في الحجرة (۱۲) فحالهم سيئة .. وهي تزداد بتقدّم الوقت سوءا على سوء.

وغضب المدير، عصف به الغضب وكأنما عصف به فجأة، عصف به بعد توتّرٍ عنيف حَصَره طيلة اليوم، تملّكه الغضب أعصاباً ولحماً ودماً، جُنَّ واندفع ينشُد المزيد من الجنون، صاح بشيْخ الفرّاشين:

-       اسمع .. احفظ ما أقول.

فحملق الرجل في وجهه بخوْفٍ طارئٍ فصاح بتصميم:

-       أهمِلوا الحجرة (۱۲) بجميع مَن فيها.

-       سیّدي .. الرجال يصرخون والنساء يبكين.

فزمجر كالوحش:

-       ركِّزوا على السطح فوق حجرات النزلاء .. أما الحجرة (۱۲) فأهملوها بجميع مَن فيها.

تردّد الرجل مقدار ثانية فصاح وهو يزداد توحشاً:

-       نفِّذ تعليماتی حرفيّاً وبلا تردد.

والتفت نحو النافذة الزجاجيّة ينظر إلى الخارج فرأى الزوْبعة تتلاطم في قلب الليْل وتزداد عُنفاً ولكنه كان قد تخفّف من عبءٍ ثقيلٍ واسترد الثقة وصفاء الذهن.

 


(تمّت ..... ولكن هناك تعقيبٌ هام من "ابن أبي صادق" بالأسفل)


تعقيبٌ واجب:

قد يرى بعض القرّاء أن هذه القصّة مملّة وبدون عقدةٍ أو أحداثٍ مثيرة وعديمة المعنى بل وبلا مغزى .. ولكنهم مخطئون .. فالقصّة مليئة بالرموز والمعاني والخلاصات الهامّة .. تعالوا نراها معاً:

·      الفندق: يرمز للوطن الكبير الذي يجمع بين جنباته النزلاء.

·      النزلاء: يرمزون إلى المواطنين الذين يضمّهم هذا الوطن (الفندق).

·      مدير الفندق: هو الحاكم المسؤول عن إدارة شؤون الوطن (الفندق) عن طريق ترأسه لمجموعة من الفرّاشين.

·      الفرّاشون: هم الوزراء والمسؤولون عن خدمة جميع المواطنين (النزلاء).

·      "بهيجة الذهبي": ترمز لشريحة الطبقة العليا الغنيّة في المجتمع والتي تبحث عن البهجة ("بهيجة) والمال والذهب ("الذهبي") .. وهي تمنح بقشيشاً (رشاوى) للفرّاشين (للمسؤولين) حتّى ينفّذوا أوامرها .. وهي تخشى من وجود مَن يختبئ في مكانها ويعكّر عليها صفوها من عامّة المواطنين (عندما أمرت بإخراج السرير من حجرتها وبترك الدولاب مفتوحاً) وذلك لأنها شريحةٌ جبانة تخشى المواجهة وترتكن للاستكانة بمفردها.

·      البرق والرعد والمطر والرياح والأجواء المنذرة بالكوارث: هي المشاكل التي يواجهها الوطن (الفندق) وتنذر بانهياره فوق رؤوس الجميع.  

·      ضيوف "بهيجة": هم أفراد تلك الشريحة التي تحيط بالطبقة العليا الغنيّة ("بهيجة") ورغم عددهم الكبير نسبيّاً إلّا إنهم قلّة أو أقليّة بالمقارنة مع إجمالي المواطنين (نزلاء الفندق في الحجرات الأخرى والناس المنتظرين في استراحة الفندق) .. وتلاحظ أن هؤلاء القِلّة (ضيوف "بهيجة") يستهلكون موارد كثيرةً للغاية ويستأثرون بخيرات الوطن (الكميّات المهولة من الطعام الفاخر التي يوفّرها لهم الفندق والتي يشتريها من مطاعم أخرى لأن ليس به مطعماً .. أي أن الوطن محدود أو عديم الموارد ولكنه يستمدها أو يقترضها من بلادٍ أخرى ليضمن إرضاء هؤلاء الشرهين ذوي النهم) على حساب باقي المواطنين (بقية النزلاء والمنتظرون بالاستراحة) .. ويقوم على خدمة هؤلاء المرفَّهين الكثير من المسؤولين (الفرّاشين) الذين ينشغلون بتلبية طلباتهم التي لا تنتهي ويهملون غالبيّة الشعب (النزلاء في الحجرات الأخرى ومنتظرو الاستراحة) .. وهذه الأقليّة تُسَبِّب أيْضاً - بسوء تصرّفاتها ولا مبالاتها - الإزعاج والمضايقة لغيرها لأنها معتادة على السُكر والعربدة والفسق.

·      المخبر أو الضابط: يرمز لأصحاب السُلطة الذين يلجأون وربما يتزاوجون مع أصحاب المال ويؤمن بأن عليه أن يعب من متاع الدنيا (الدنيا سيجارة وكاس) .. وهو يحمي أفراد هذه الطبقة (ضيوف "بهيجة") بانضمامه إليهم غير عابئٍ بالأضرار التي تنجم عنهم بل يتناسى واجبه نحو الشعب (باقي النزلاء والمنتظرون بالاستراحة) ويهتم فقط بإنجاز الأعمال الروتينيّة (الإطّلاع على السجل) دون التحقيق الفعلي في أي أمورٍ حتّى ولوْ كانت غريبة.   

·      "سيّد الأعمى" الحانوتي: هو ملاك الموت الذي يشمئز منه الحاكم (المدير) وتستبعد وجوده بينهم الطبقة العليا .. فيضطر للانتظار طويلاً حتى تحين اللحظة المناسبة ليسود ("سيّد") عليهم ويقبض أرواحهم جميعاً دون تمييز ("الأعمى").

·      المنتظرون في الاستراحة: هم عامّة الشعب غير المُرحَّب بانضمامهم للطبقة العليا (حيث ترفض "بهيجة" انضمامهم لضيوفها وتأمر بإبقائهم في الاستراحة) وهم الذين تقع عليهم مسؤوليّة إنقاذ الوطن من السقوط (عندما يتطوّعون لإصلاح سطح الفندق لمنع انهياره).

·      سقف الفندق المهترئ: هو حال الوطن (الفندق) المنهك من امتصاص الطبقة العليا ("بهيجة" وضيوفها) لدمه ونهبها لخيْراته وتخريبها لمقدّراته.

·      وأخيراً وبعد أن شعر الحاكم (المدير) أنه فقد سيطرته القانونيّة (لم يعد الفندق فندقاً ولم أعد مديراً) أيقن أنه لابد له من أن يواجه الطبقة العليا ("بهيجة" وضيوفها) بعد أن كان يؤجّل ذلك خوْفاً من مكانة هذه الأقليّة وخشيةً من سطوتها (بات يخشى أن تدفعه مسئوليّته إلى الصدام معهم وهم من الصفوَة القوية) .. فلم يجد الراحة إلّا عندما أخرجها من حساباته وأدرك أن إنقاذ الوطن (الفندق) من الإنهيار يحتّم عليه أن يهتم بالتركيز على إصلاح الأمور لكل فئات الشعب (وليس الحجرة ۱۲ فقط) وحل مشاكل الوطن كلها (سد ثغرات سطح الفندق بالرمال) والتي لن تنتهي إلّا بالعمل التعاوني التطوّعي لجموع المواطنين (النزلاء والمنتظرون في الاستراحة).

هذا ما أمكنني قراءته بين السطور حسبما تكهّنت بالرموز والمعاني وعلى قدر ما استطعت أن أستشفه من قراءتي المتواضعة لتلك القصّة ذات التوْريات العديدة .. وربما استطعت أنت - عزيزي القارئ - أن تستخلص ما هو أكثر من استيعابي المحدود إذا أعدت قراءتها وترجمت طلاسمها برؤيةٍ متأنيةٍ ثاقبة.

google-playkhamsatmostaqltradent