خبر
أخبار ملهلبة

الطبول (1) | الجريمة | نجيب محفوظ

 

مجموعة من شباب الكشافة مع قائدهم الذي يحمل الراية يسيرون  في طابور

الطبول (1)

 

 

دق جرس المنبّه في رنينٍ متصل فدبّت في الأُسرة حركةٌ شاملة، ثمّة تثاؤبٍ هنا وهناك ينِدُّ وسط همهماتٍ كطنين النحل وضحكاتٍ طافحةٍ بالبشر وتأوّهاتٍ مرحة، وفُتِحَت النوافذ فتدفّق الفَجر الغامض متسربلاً بنسيم ندىً مفعمٍ بشتّى الطيوب وأنفاس الطبيعة النقيّة، وارتفع صوت القائد دَسِماً واضح النبرات يقطع بأنه سبقنا إلى الاستيقاظ منذ أمد وتأهّب لاستقبال اليوم الخطير، قال:

-       السُرعة والنظام والجد .. لديكم ثلث ساعة حتى تجتمعوا حول مائدة الإفطار.

وانتـشـرت الحركة في نشاطٍ بهيج، أُقـيـدَت الأنوار في المغاسل، طرقعت الشباشب فوق البلاط، سالت المياه من الصنابير، وهدرت السيفونات، وأزّت الحلّاقات الكهربائيّة.

-       الفجر يبشّر بجوٍ طيّب.

-       يجب أن نقطع شوطاً ملحوظاً قبل أن ترتفع الشمس.

-       لكن الظهيرة آتيةٌ والصيْف لا قلب له.

سرعان ما امتلأت الكراسي الخشبية حول المائدة المستطيلة ببهو الطعام . استقرت الجاكتّات الكاكيّة والبنطلونات القصيرة فوق الأجساد الرشيقة، عقد كل حمّالةٍ صُفّارته حوْل عنقه وأرسى عصاه إلى طرف المائدة جنب زمزميّته وحقيبته، وصُبَّ الشاي في الأقداح وتخاطفت الأيْدي الفطائر والجبن والعسل الأسود، وتتابع التمطُّق (صوت ضم الشفتيْن وإلصاق اللسان بسقف الفم تعبيراً عن استطياب الطعام الشهي) في سرعةٍ تنذر بتوقعاتِ متربّصة، والحق أن القائد لم يمهلنا طويلاً، كأنما أراد أن يمتحن مرونتنا أو أن يذكّرنا بسلطاته منذ البدء، فنفخ في صُـفّـارته مـقـدِّراً رُبع دقيقة، نهضنا عجلين، ركّبنا الحقائب فوق الظهور، وعقدنا الزمزميّات بالأكتاف، وتناولنا العصى، وهُرعنا إلى الفناء، انتظمنا طابوراً طويلاً في ظلامٍ شاملٍ عدا شفافية لا تكاد تُرى في الأفق الشرقي، ومَثَل شبحه أمامنا بقامته الطويلة ومضى يقول:

-       لتكن كل رحلةٍ جديدةٍ خيراً من سابقاتها.

فقلنا في نَفَسٍ واحدٍ:

-       آمين.

فعاد يقول:

-       لنكن مثالا طيبا للآخرين.

فکرّرنا في صوتٍ واحدٍ:

-       أمين.

-       ولنستفِد من كل خطوةٍ وكل تجربة.

-       آمين.

-       سيروا على بركة الله.

-       آمين.

ونفخ في الصُـفّـارة والديكة تصـيـح فتكوّنا في أربعـات، واتخذنا خطوات "محلّك سـر" حتى احتل مكانه على رأس الطابور، ثم بدأ السيْر فسِرنا وراءه على دقّات الطبول، وتبعتنا على الأثر عربةٌ يجرّها جـواد تحمل المطبخ والمسـتـشـفى، سلّمنا الفناء إلى ممرٍ طويلٍ ضيّقٍ محصورٍ بيْن جـداريْن مرتفعيْن تفوح منه رائحة الكِلْس (الجير) وعطـن البـوْل وتظلّل نهايته سعف نخلاتٍ مغروسةٍ في الجانبيْن، شاب مـشـيَتنا الرياضيّة حذرٌ شديدٌ لما توقّعناه من وجود روَث دوابٍ أو قاذوراتٍ آدميّة إذ أنه رغم الحيطة والتفتيش يتسلّل إلى الممر في هدأة الليل أناسٌ لممارسة حريّاتهم بلا حـيـاء، سِـرنا في حـذرٍ حتّى خرجنا إلى الخلاء فـلفـحـتنا نسماتٌ نقيّةٌ مطلولة (مشبّعة بالطَل أو بالمطر الضعيف أو الندى)، ولم نكَد نقطع خطواتِ حتّى ترامي إليْنا صـوْت السوّاق وهو يحث الجواد على السيْر ويفرقع بسوْطه في الهواء، وتنبّه قائدنا إلى ذلك فصاح بصوْته الدَسِم:

-       قف.

فضربنا الأرض متوقفين فقال بنبرةٍ آمرة:

-        ۱ و ۲ يذهبان للاستطلاع وتقديم ما يلزم.

انفصـل الزميلان من الطابور فرجعا إلى موْقف العربة، أدركنا من حـوارهـمـا أن حـجـراً اعـتـرض العجلة اليُمنى وأنهـمـا يتـعـاونان على زحزحته، وتساءل قائدنا محنقاً:

-       متى يبلغ معسكرنا كماله المنشود؟!

وعاد الزميلان إلى الطابور فنفخ القائد في صُفّارته واستأنف الطابور سيْره، سِرنا أشباحاً ذائبةً في ظلام، وفي السماء نجمٌ واحد، وكنا نحب ظُلمة الفجر، لأنهـا سـريعة الزوال، ولأننا نطمئن إلى الاخـتـفـاء في غلالتها فنخرق تقاليد الطابور الصارمة بالمداعبات والملاعبات الخفيّة، سعداء بشقاوتنا وعبثنا كاتمين ضحكاتنا فترتعش فوق الشفاه بلا صوْت، في ظُلمة الفـجـر يتلقّى سيئ الحظ ضربة عـصـا في ساقه أو قَرصـةً في ذراعه أو نواة نبقةٍ في قفاه، ولمّا كان الفاعل مجهولاً فإنه ينتقم من أيٍ كان وبأي وسيلةٍ تتّفق له، لم تكن تلك الشقاوة مريحةً ولكنها كانت متعةً محبوبة، ولا تتم الرحلة إلّا بها، ولذلك كنا حريصين على احترام سريّتها لنضمن استمرارها، ونَهنأ ـ رغم انزعاجنا ـ بها، فالجديّة المثاليّة الواجبة شعارٌ نردّده ونلتزم به ولكن يبدو ألّا مفر من التمرّد عليْه بيْن الحين والحين، وما يدرى تكوينٌ من تكوينات الطابور الربـاعـيـة إلا ورشّاشٌ سائلٌ يبلّله في مواضع متفرّقةٍ من أجسام أصحابه، وتبيّن لهم من رائحته أنه بوْل!، كـاد النظام يختل، وضاعت الضحكات المكتومة في هديرٍ غاضبٍ لم يتوقّعه أحـد، تجاوزت الدعابة حدود الاحتمال وانفجر صوْتٌ خشنٌ بلا مبالاة:

-       عليكم اللعنة.

فصاح القائد غاضباً:

-       قِف.

توقّفنا عن السيْر ، انقلبت الدعـابة عليْنا هذه المرة وأنذرت بالنكد وتساءل القائد:

-       مَن الوقح؟!

فصاح الآخر متحدياً:

-       كلبٌ بال عليْنا.

فصرخ القائد:

-       الويْل لكم.

ولكن سبقته الأحداث فندت صرخاتٌ واختلطت أشباحٌ ونشبت معركةٌ عمياء، تبودلت اللكمات والركلات واللعنات ومضى القائد يهدّد وينذر في الهواء، اشـتـرك كل واحدٍ منّا في المعركة، مهاجماً أو مدافعاً، بلا حسابٍ ولا حَذَر وكأننا نقاتل المجهول في الأركان الأربعة، اندثر لحظتئذ الوِد الجامع بيننا وتلاشت روح الزمالة العتيدة، وحلّت محلّهما وَحشيّةٌ كاسرةٌ تنفِث حِقداً وشـهـوةً طاغيةً للأذى، كأنها قوةٌ مـدمّـِرةٌ تفجّرت في قلب الظلام، تواصل الضرب بلا رحمة وصمت قائدنا كأنما قد ترك لأيْدينا وأرجلنا مهمّة إنزال العقاب الشامل بنا، وما ندرى إلا والظُلمة تخف وتتهافت، ومعالم الدنيا تطل عليْنا من حوْلنا، ورقعة الأفق الشرقي تبتسم ببهجة الضياء، عند ذاك تراءى المتعاركون، رأى كل وجه زميلٍ أو صـديـق فـعـقـد الحياء أيدينا وتطايرت انفعالاتنا السوداء وتراجعنا بوجوهٍ أسيفةٍ وقلوبٍ منكسرة، وجعلنا نجفّف عرقنا ونضمّد جراحنا ونتبادل نظراتٍ حسيرة، متجنّبين النظر نحو قائدنا الواقف كتمثالٍ للغضب والازدراء، وساد صمتٌ ثقيلٌ مشحونٌ بالندم، وتلقيْنا أول شعاعٍ للشمس بوجوهٍ كالحة، وراح القائد ينقل عيْنيْه من شخصٍ لآخر، ثم قال:

-       بدايةً على أي حالٍ جديرةٍ بكم.

لم ينبس أحدٌ بكلمة، ولا انبرى أحدٌ للدفاع يستوي في ذلك الظالم والمظلوم، وعاد القائد يقول:

-       إن زيّكم الرفيع ليخجل منكم.

وهز رأسه في أسى ثم تساءل:

-       هل لدى المذنب منكم الشجاعة للاعتراف؟

ولمّا لم يسمع صوتاً قال:

-       ليْس من مبادئنا إلغاء رحلةٍ بدأناها ولكن لن يمر ذنبٌ بلا عـقـوبةٍ تناسبه.

مضى إلى موقفه، نفخ في الصُفّارة، هَوَت المطارق على الطبول، تحرّك الطابور في ضوء الصباح الباكر، انتقلنا من الصحراء إلى المدينة فقابلتنا طلائع العمّال والباعة، وتبعاً لتقاليدنا رُحنا ننشِد الأناشيد متناسين المعركة وآلامها، ولم يكن شيءٌ يؤثّر فينا مثل أناشيدنا الجميلة المتغنية أبداً بالبطولة والمجد والأخوّة، فسِحْرها يخاطَب من القلوب والسرائر، ومر بنا السابلة (الأشخاص المارون بالسبيل) بلا اهتمام، وقليلون مَن تابعونا بنظراتٍ محايدة، أما الغلمان الذين يهـرعـون وراءنا فلم يكن قد استيقظ منهم أحدٌ بعد، وزالت آثار المرارة تماماً، وانتصر الشباب بقوّته الخارقة، وأنعشتنا الأناشيد، فعدنا أهلاً للرحلة الطويلة الشاقّة أمامنا، وسيْطر عليْنا الإيمان بما نفعل وبما نقول، بالمُثُل التي نستظل بها، والمجد الذي نمضى إليْه، والقوّة التي سنحقق بهـا المعجزات، وكنا سعـداء، رغم الجهد المتوقّع والنظام الصارم والعقوبة المتربّصة كنا سعداء، وسِرنا وسِرنا، وأنشـدنا وأنشدنا، على دقات طبـولٍ لا تتوقّف، حتى نفخ القائد في الصُفّارة فتوقّفنا وسط الضُحى، وهتف القائد بوجهٍ لم يزايله الغضب:

-       استراحة.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent