خبر
أخبار ملهلبة

لترقد في سلام يا أبي | قصة كفاح أسرتنا العريقة (1)

 


لترقد في سلام يا أبي | قصة كفاح أسرتنا العريقة (1)

 

أكتوبر 1981 :

 

كنت في الثامنة عشرة من عمري عندما دخل علينا – أنا وأمي وأخي الأكبر – والدي حاملاً معه كيساً تتساقط منه قطراتٌ من الماء العكر وبه بعضٌ من سمك البلطي وبطّيخةٌ كبيرة فتحلّقنا حوْله بعد أن نادانا وقد لمعت عيناه من الفرحة .. وعندما استوى فوق أكبر الكراسي في صالة منزلنا المتواضع بادرنا بالقوْل:

-       باركي لي يا "إيمان" .. هيّص يا "بهاء" .. زقطط يا واد يا "نضال" .. النهار ده يوم مشهود ف تاريخ العيلة.

فتهلّلت أسارير أمّي وقالت له:

-       خير يا "حنفي"؟ .. حصل إيه؟

وتبعها أخي "بهاء" قائلاً بسرعة:

-       أكيد اترقّيت في الشغل ومرتّبك زاد.

ونظر لي أبي فلم أنبس ببنت شفة وفضّلت أن أنتظر بُشراه وإن فضحت عيوني عمّا بداخلي من فضولٍ هائل .. فصاح أبي:

-       فعلاً يا "بهاء" أنا اترقّيت .. اتنطرت نطرة تانية خالص .. بس مرتّبي ما زادش كتير .. لكن مش مهم .. أنا من إمتى بيهمّني المرتّب .. المهم الفلوس اللي باخدها من ورا الشغل .. الراجل الحِرِك اللي يعرف يسلّك قرشين زيادة من حَنَك السَبْع .. اللي يتركن على مرتّب الحكومة ح يفضل طول عمره فقري.

-       طول عمرك ناصح يا "حنفي" .. ربنا يخلّيك لينا ولا يحرمنا من دخلتك علينا يا رب.

وهنا انبريْت قائلاً:

-       يعني بقيت إيه يا بابا؟

-       بقيت ريّس .. ريّس المفتّشين ف الجمرك.

-       ودي تِفرق كتير؟

-       طبعاً يا "نضال" .. بصفتي وصلاحيّاتي وسُلطتي أقدر أدخّل الطرود أو الرسايل المستوْردة اللي عايزها أنا بالرسوم اللي أقدّرها أنا نظير حَلاوتي أو قهوتي عن كل طرد .. ده غير إن ليَّ نسبة معلومة من أكراميّات دخول الرسايل اللي ح يفرج عنها المفتّشين اللي تحت إيدي .. يعني بعون الله ما فيش دبّانة ح تعدّي م الجمرك إلّا لمّا اخد منها حلوان أو إكراميّة.

-       إش إش يا ابو "بهاء" .. باينّها ح تروق وتحلى وح نعوم على وِش الفتّة.

-       أومّال يا "مون مون" .. ح تزهزه لنا والآشية ح تبقى معدن .. قومي بقى اشوي لنا واحدتين السمك دول واعملي لنا سلطة خضرا وطحينة على ما اغيّر هدومي .. وحُطّي البطيخة ف التلّاجة عشان تلحق تسقع .. واعملوا حسابكوا بعد كده الأكل ح يبقى كباب وكافيار والتحالي بقلاوة بالفزدق.

 

فبراير 1991 :

 

تغيّر حالنا كثيراً للأفضل وأصبحنا نسكن في فيلا خاصة ونملك العديد من الأراضي والعقارات والسيّاراتٍ .. ولكن أبانا – الذي على الأرض – كان تقليدي التفكير كلاسيكي المذهب فاكتفى بما حقّقه من نجاحاتٍ وقفزات بعد أن استغل وظيفته وتربّح منها كمَن سبقوه .. ولكننا – أنا وأخي – كان تفكيرنا أكبر تفتّحاً وأكثر عصريّة فلم تزل هناك آفاٌق لم نصل إليها وطموحاتٌ لم نحقّقها فكما يقول الدهماء من عامّة شعبنا الطيّب: "البحر يحب الزيادة وإن عشقت اعشق قمر وإن سرقت إسرق جمل" .. فقرّرنا أن نجلس مع والدي لنقنعه بأنه يجب عليه أن يتطوّر مع الزمن لنجمع أموالاً لا حصر لها قبل أن يأتي اليوم الذي يتقاعد فيه فنفقد المصدر الذي يضمن لنا مستقبلنا ومستقبل أولادنا وأحفادنا وأحفاد أحفادنا أيضاً.

وفي مساء ذلك اليوم جلسنا كأسرةٍ واحدةٍ مصيرها واحد إلى طاولةٍ كبيرة بجانب حمّام السباحة وبدأ أبي يساجلنا الحديث:

-       خير يا اولاد عايزنّي ف إيه؟

-       بص يا بابا .. بصراحة كده إحنا عايزين نعمل أب جريد لمستقبلنا.

-       نعمل إيه؟ .. أب إيه؟

-       أب جريد .. يعني نتطوّر .. نترقّى .. بصراحة احنا شايفين إن حضرتك مش أمبيشاس كفاية.

-       أمبيشاظ؟ .. يعني إيه؟ .. يا بني انت ح تطلّع الانجليزي اللي اتعلّمته عليَّ؟ .. ده انا يا دوب نجحت ف الثانويّة بخمسين ف الميّة بعد ما دخّلوني لجنة رأفة .. هوَّ انا غلطان إني علّمتكم في جامعات أجنبيّة وكمّلت لكم تعليمكم برّه؟

-       مش أمبيشاس يا بابا .. يعني مش طموح .. وراضي باللي احنا فيه.

-       وما له اللي احنا فيه؟ .. ساكنين ف أفخم فيلّا وعايشين ف أرقى منطقة وبناكل أحلى أكل وبنركب أحدث عربيّات وانتم اتعلّمتوا أحسن علام وبتتفسّحوا ف بلاد برّه زي ما انتم عايزين .. ناقصكوا إيه تاني؟

-       ناقصنا كتير .. فيه ناس أغنى منّنا ومأمّنين نفسهم أكتر منّنا مليون مرّة .. إحنا مش أقل من الناس دي.

-       إنتم ح تكفروا بالنعمة؟ .. سامعة يا "إيمان" العيال وكلامهم الماسخ؟

-       يا سيدي اسمعهم للآخر .. شوفهم عايزين إيه .. مش يمكن ح يقولوا لك على حاجة كويّسة أو أفكار جديدة أو عندهم مشاريع ناجحة .. دول متعلّمين برّه ومخّهم نِوِر .. وزي ما بيقولوا: "خدوا فالكوا من عيالكوا" و"إن كِبِر ابنك خاويه".

-       ماشي يا ستّي لمّا نشوف آخرتها .. اتفضّل يا اخويا منّك له .. عايزينّي أعمل إيه أكتر م اللي عملته؟

-       يا بابا انت بقيت الكل ف الكل ف الجمرك .. وما فيش فتفوتة بتتعمل بدون إسَّك ومن غير أوامرك.

-       ها؟ .. وبعدين؟

-       بدل ما تعدّي الطرود والبضايع اللي جايّة من برّه برسوم رمزيّة وتاخد المعلوم من اصحابها يبقى احنا أوْلى.

-       مش فاهم!

-       يعني نستورد احنا البضايع دي بإسمنا وعلى حسابنا ويبقى "جحا" أوْلى بلحم توره.

-       إنتم ناسيين إني موظّف عام وباقدّم إقرار الذِمّة الماليّة كل سنة وممنوع اشتغل ف التجارة .. ده انا حتى كاتب كل أملاكنا باسمكم انتم وامّكم مش بإسمي.

-       طب ما احنا ح نكوّن شركة أو أكتر وح نكتبها بإسمنا برضه ونبعدك عن أي شبهات.

-       آآآآآآ .. ماشي .. هيَّ فكرة مش بطّالة بس لازم تساعدوني.

-       طبعاً .. إحنا ح نعمل كل حاجة .. خلّيك انت مستريّح .. إحنا مش محتاجين منّك غير إنك تعدّي لنا بضاعتنا من غير جمارك أو برسوم بسيطة.

-       إذا كان كده ماشي .. وانا اعرف تجّار كتير ح اكلّمهم واوصّيهم عليكم يسهّلوا لكم شغلكم وتبقوا جدعان كمان لو دخلتوا ف زوارقهم وعرفتوا تشاركوهم ف البزنس بتاعهم.

-       إعتبره حصل .. ما تنعاش هَم .. وربّنا يخلّيك لنا يا بابا.

-       شوفت بقى يا ابو "بهاء" .. تربيتك للعيال ما راحتش هَدَر.

-       ربّنا يعمل اللي فيه الخير ويوفّقنا.

-       يا رب يا خويا يا رب.

 

 

(يتبع)


google-playkhamsatmostaqltradent