خبر
أخبار ملهلبة

الفصل الثامن (3) | نهاية العالم

 

الفصل الثامن (3) | نهاية العالم

الفصل الثامن (3) | نهاية العالم

 

 

وبالغرفة المجاورة كانت "نشوى"- التي لم تعتد على صلاة الفجر حاضراً- تجلس على الأريكة تفكّر في مصيرها المرتقب وكيْفيّة نيْل رضا الخالق قبل ملاقاته وأخذت تسأل نفسها عن شروط التوْبة النصوح والواجبات الشرعيّة للزوْجة المسلمة نحو زوْجها خاصةً بعد أن هاتَفها "عماد" مساء اليوْم الفائِت وندّد بإفشاء "باسم" سر زواجه أمام أبيه وطالَبها بتخصيص جزءٍ من وقتها يوميّاً ليقضياه معاً كأي زوْجٍ وزوْجة مستشهداً بأحكام الشرع ووجوب طاعته وكأنه لايعرف في الشرع غير البحث عن ملذّاته ومتعه فقط بدلاً من أن يستغل الوقت الباقي من حياته في الاستغفار والتعبّد وإصلاح ما فات، وعندما تكاثرت الأسئلة على عقلها وعجزت أن تجد لها إجاباتٍ شافية لجأت إلى حاسوبها (اللاب توب) ونفذت إلى الشبكة العنكبوتيّة (الإنترنت) تبحث عن مبتغاها.

أمّا "أسماء" فقد جلست مع ولديْها تشرح لهما ما سيحدث بعد ثلاثة أيّام ومعنى القيامة والموْت وما ينبغي عليْهما فعلة حتّى ذلك الحين من إكثارٍ للصلاة والتزامٍ بالأدب ووجوب حسن المعاملة لينتقلا من الحياة الزائلة إلى الجنّة الخالدة مع أسرتهما، وبثّت في قلبيْهما الرعب من عاقبة عدم طاعة الله ثمّ الأبويْن وخروجهما عن حدود الأخلاق المعروفة وحذّرتهما من ذهابهما منفرديّن إلى جهنّم وبئس المصير حيث يوجد هناك الكي بالنار والضرب بالعصي والتذنيب وقوفاً لفتراتٍ طويلة مقابل الحائط وحيث لا يوجد تلفاز تُعرَض فيه أفلام الأطفال ولا حاسوب أو "بلاي ستيشن" ملئ بالألعاب الإلكترونيّة ولا ملاهي للألعاب ولا حلوى أو شرائح بطاطس مقرقَشة، وطلبت منهما- قبل أن تتركهما لترعى شئون المنزل- التواجد معاً دون انفصال في الفترة المقبلة، فلاقت تلك المحاضرة المُتْرَعة بالترهيب والترغيب صدىً هائلاً لديْهما وبدأ كلٌ منهما في إرضاء الله للفوز بالجنّة حيث الخلود السعيد والفرار من جهنّم ذات التهديد قبل أن يحل يوم الوعيد الذي صار غير بعيد، فاندفع كلاهما نحو التضحية وإيثار أخيه على نفسه فترى أحدهما يترك الحاسوب ليلعب عليه أخوه وتشاهد الأخ منهما لا يصر على قناةٍ تليفزيونيّةٍ بعيْنها بل يترك للآخر حريّة الاختيار وتتطلّع مندهشاً عندما يُخْرِج أيّهما حلوى كان قد خبّأها من قبل ليهديها إلى شقيقه في سماحة وجود، وهكذا غيّر "الماحي" سلوك الأطفال كما بدّل أخلاق الكبار ولله في خلقه شؤونٌ وتدابير.

أما "عادل" فقد كان على النقيض تماماً من أفراد أسرته؛ فلم ينفك ينهج نفس نهجه القديم ويسلك نفس مسلكه التليد ويحذو حذو أصدقائه المهترئين وينحو نحو الانحراف والانجراف للهاوية، فقد كان في مساء هذا اليوم مجالساً لأحد أصدقاء السوء يدخّنان معاً النرجيلة المضاف إلى تبغها بعض الأفيون ويزدردان قِسْطاً من الخمر ويتداولان في قضيّة الساعة وهما يترنّحان:

- إيه يا عم الحاج؟.. مالك؟.. بتشد الأنفاس بالعافية كده ليه؟.. إنت تعبان؟

- لا ما فيش حاجة.. بس بافكّر يا "عادل" يا خويا ف الموْضوع بتاع اليومين دول.

- موْضوع إيه؟

- الموْضوع ده بتاع يوم القيامة وكده.

- ما له؟.. ما احنا عرفنا إن آخرِتنا بعد بكره.. خلاص خلصت.

- يا سلام!!.. بتقولها عادي كده ولا همّك؟

- يعني ح اعمل إيه يا خويا؟.. زيّي زي غيري.

- لا يا "عادل".. إحنا مش زي بقية الناس.. إحنا مدمنين.. لازم نعترف بكده.. إحنا شباب سَوْ.

- تشرّفنا يا سيدي.. إيه المشكلة بقى؟

- إنت بتستهبل يا بني.. المشكلة إنّنا ح نتنيّل نموت واحنا ع الحالة دي.. بنشرب مخدرات وحشيش وما بنصلّيش ولا بنصوم ولا بنزكّي غير المصايب التانية اللي عملناها ف دنيتنا.. يعني ح ندخل النار حدف أسرع م الصاروخ.

- قشطة.. ده احنا ح نلاقي هناك زُمُل بالهبل.. ومش ح ننعى هم حد يجيب لنا ولعة.. وكمان الصاروخ ح يكـيّفنا.. ها ها هاي.

- يا عم انت بتهزّر؟.. إنت مش حاسس بالمصيبة اللي احنا فيها؟

- عايزني أعمل إيه؟.. أعيّط؟.. ولّا الطم؟

- نرجع لربّنا يا "عادل".. إذا ما كانش ده وقت التوبة أومّال ح نتوب إمتى؟

- إحنا ح نضحك على بعض ولّا يمكن ح نقدر نضحك استغفر الله العظيم على ربّنا؟.. يا بني خلاص.. السكّة اللي مشينا فيه سد.. ما فيهاش رجوع.. إنت فاكر إني بارد للدرجة دي.. أنا بس ماسك نفسي بالعافية.. باحاول انسى اللي انا فيه بس مش عارف.. تفتكر سهل على واحد مهندس زيّي كان ح يبقى له مستقبل زي الفُل يتحط في الوحلة دي.. لا مستقبل ولا زوجة ولا أسرة ولا فلوس ولا صحّة ولا حتّى دين.. يعني بقيت ميح.. عايم ف مية البطيخ.. عايش ف البلالا.. ما عنديش حاجة أبكي عليها.. أقوم ده الوقت بعد ما عرفت إنّي ح اموت واقابل ربّنا أستعبط واتوب.. التوبة يا بني لازم تكون مبادرة من النفر منّنا وبمزاجه مش غصب عنه.. إنت كده عامل زي واحد عايش حياته بالطول والعرض وهاتك يا معاصي وذنوب وقلّة أدب وبعدين وهوّ مروّح م الخمّارة ومصطاد واحدة غلط زيّه طلع عليه حراميّة سرقوه وضربوه بمطوة ف بطنه ومشيوا يقوم بعد ما ينزف ويتأكّد إنه ح يموت كمان شويّة يطلب من ربّنا يسامحه ويدعي ع اللي قتلوه قبل ما روحه تطلع.. لا ربّنا ح يسامحه ولا ح يستجيب لدعوته.. علشان بيستعبط وفاكر إنّه ممكن يلف ويدور ويحوّر على ربّنا استغفر الله العظيم.

- يعني إيه يا "عادل"؟.. ما فيش فايدة؟

- ولا عايدة وحياتك.. إتنيّل بقى غيّر الموضوع وما تطيّرش أم الحجرين من نافوخي.. خلّينا نقضّي اليومين اللي فاضلين لنا زي ما يكونوا.. ربّنا كتب علينا الموت ع الحالة دي.. مين عارف؟.. يمكن لو كنّا أخدنا فرصة تانية كنّا بقينا كويّسين.. ربّنا يتولّانا بقى.           


google-playkhamsatmostaqltradent