خبر
أخبار ملهلبة

الفصل الرابع (1) | نهاية العالم

 

الفصل الرابع (1) | نهاية العالم


الفصل الرابع
الأحد 4 / 10 / 2020
باقي سبعة أيّامٍ على النهاية (1)

 

كان "باسم" نائماً عندما كانت زوجته "أسماء" تلكزه في كتفه بلطف حتّى يتيقّظ من رقاده العميق ليردّ على أخيه "عادل" الذي كان ينتظره على الطرف الآخر من الهاتف، ولكن "باسم" كان مستغرقاً في النوم فلم يستجب لها فاضطرّت أن تهزّه بعنف وهي تصيح به بصوتٍ عال:

- "باسم".. "باسم".. إصحى.. كلّم "عادل" ع التليفون.

فلم يرد عليها في البداية ولكنها بعدما ردّدت هذه العبارة بنبرةٍ حادة بدأ في الاستجابة بتثاقل وقال وهو لم يزل مغمضاً عينيْه:

- هه.. إيه؟.. فيه إيه؟

فنهرته بحدّة قائلةً:

- باقول لك قوم رُد.. اخوك ع التليفون.. غلّبتني معاك.. بقى لي ساعة باصحّي فيك.

فقال لها بلسان ثقيل محاولاً تجميع شتات نفسه:

- قولي له ح ابقى اتّصل بيه لمّا اقوم م النوم.

فأمرته في حزم بقولها:

- ما ينفعش ده عايزك ف حاجة ضروري.. قوم بقى ما تعملش زي العيال الصغيّرة.. يا ختي.. ده إيه المرار ده.

فبدأ يستفيق "باسم" ويفتح عينيْه وينظر لها شزراً عندما انقلب عليها ونهرها قائلاً:

- إلهي يمرّر عيشتك يا شيخة وانتي عاملة كده زي "عزرائيل" هادم اللذات ومفرّق الجماعات.. مش عارف اتهنّى على نومة.. يعني مش قادرة تقولي له أي حاجة.. منّك لله وليّة نكد.

فردّت عليه بصوتٍ خفيض وهي تغمز له بعينها اليسري وتعض على شفتها السفلى:

- يا خرابي.. وطّي صوتك يا راجل.. أخوك يسمعك.. بلاش فضايح.

فزجرها بغضب لتنصرف من أمام ناظريْه وتناول منها الهاتف وبدأ في محادثة أخيه:

- آلو.. أيوه يا "عادل".

- معلهش يا "باسم" قلقتك م النوم.

- لا مافيش حاجة.. خير؟

- مش باينّه خير أبداً.. أختك "نشوي".

- إيش معنى.. قصدي مالها؟

- ما باتتش ف البيت امبارح.

- وانت ما حسّتش غير ده الوقت؟

- أصل انا نمت بدري امبارح بالليل وكنت فاكرها ح تيجي متأخّر زي كل يوم.. ولمّا صحيت ما لقتهاش ف أوضتها.

- وهيّ متعوّدة تسهر برّه البيت؟

- أيوه ما هي بتذاكر مع "سلوى" صاحبتها على طول.. دي بتروّح معاها بعد محاضراتهم ف الكليّة وتقضّي طول اليوم معاها وتيجي آخر الليل.

- ما شاء الله.. وانت بقى إيش عرّفك إنّها مع "سلوى" دي؟

- ما انا لمّا باتّصل بيها ع الموبايل بترد عليّ على طول وساعات بتدّي لي "سلوى" علشان تسلّم عليّ وتستأذنّي أسيبها تسهر معاها.

- فالح يا خويا.. طب ما يمكن اللي بتكلّمك دي لا "سلوى" ولا حاجة.. ويكون راجل عامل صوته زي البنات.

- ليه يا "باسم" هو انا كاوِرك للدرجة دي.. طبعاً كان ح يبان الصوت وكنت ح اعرف.

- آه.. أصلك حدق قوي يا خيْ.. واللهِ اللي عملك مهندس ظلمك.. قصره.. طب مش يمكن جت امبارح متأخّر بعد ما سيادتك نمت ونزلت النهار ده الصبح بدري قبل ما فخامتك تصحى؟

- لأ طبعاً.. لإنّي لمّا قمت الصبح لقيتني كنت ناسي مفتاح الشقّة ف الطبلة من جوّه.. يعني ما ينفعش حد يفتح بالمفتاح من برّه.

- الله.. هو احنا ح نحتار ليه؟.. طب ما تتّصل بيها تشوفها هيّ فين؟

- يعني انا ح تفوتني الفكرة العبقريّة دي بالذمّة.. تليفونها غير متاح.

- وتليفون صاحبتها؟

- مش معايا.

- يا سلام ع النصاحة.. وازّاي يا أفندي ما تاخدهوش من اختك؟

- يعني هوّ انا كل ما اكلّمك ح تطلّعني انا الغلطان.

- ما فيش فايدة م الكلام.. استنّاني عندك وانا جاي لك.

- طب وشغلي؟

- يتحرق شغلك ده الوقت.. خد عارضة ولّا مرضي.. اتصرّف.

ووضع "باسم" سمّاعة الهاتف بعنف فأغلق الخط دون أن يترك الفرصة لأخيه كي يجادل معه ثمّ تأهّب ليرتدي ملابسه وهو يفكّر فيما عساه أن يفعل، وفوجئ بزوجته تدخل الحجرة وتسأله:

- إيه نازل ده الوقتِ؟

- آه يا ختي ما انا اصطبحت بوشّك ع الصبح.

- هوّ كل بلوة اخواتك يعملوها ح تقلبها عليّ؟

- والنبي تنقّطيني بسكاتك.. أنا مش طايق نفسي.. "عادل" بيقول لي البت "نشوى" ما باتتش ف البيت امبارح.

- ما انا قلت لك يا "باسم" قبل كده ستّين مرّة.. ما تسيبش اخواتك يقعدوا ف شقّة لوحدهم.. كده ح يبوظوا.. كانوا قعدوا مع عمّتك ف "حلوان" بعد ما الحاج اتوفّى الله يرحمه.

- وإيه اللي ح يحدفهم ف آخر الدنيا بعيد عن شغلهم ودراستهم.. ثمّ انتي عارفة اللي بينهم وبين عمّتي وجوزها.. ما بيطيقوهمش.

- علشان عايزين يمشوا على حل شعرهم من غير ما حد يقول لهم كده غلط وكده صح.. أصل عمّتك وجوزها ما يحبّوش الحال المايل.

- وانا ح اجيب لنفسي وجع الدماغ ليه وكل شويّة مشاكل وزعل وخناقات؟

- وانت كده يعني ف راحة؟.. انت بس اللي بتستسهل.

- بقى بعد ده كلّه مش عاجب.. ده انا من ساعة أبويا الحاج ما مات وانا اللي شايل همّهم وباصرف دم قلبي عليهم.. "عادل" علّمته أحسن علام لغاية ما بقى مهندس واشتغل مهندس ف أكبر حي فيكي يا "مصر" ومع ذلك لسّه بادّي له مصروف ألف جنيه ف الشهر بعد ما اشتكى لي من قلّة المرتّب.. والبت "نشوى" ما جابتش مجموع ف الثانويّة رغم الدروس الخصوصيّة الغالية ف كل المواد اللي كانت بتاخدها وضحّيت ودخّلتها كليّة خاصة بالشئ الفلاني علشان ما تبقاش أقل من اخوها وبتسحب مني فوق الخمسين ألف كل سنة.. أعمل إيه تاني؟.. واللهِ لو كان أبويا عايش ما كان ح يعمل اللي انا عملته ده.

- الله يرحمه ويسامحه.. ربّنا يخلّيك لهم ويدّيك الصحّة.. ما حدّش قال إنّك مقصّر ف مصاريفهم.. بس الفلوس مش كل حاجة.. والحنيّة ما بتتشراش.. كان ضروري تبقى فيه عين عليهم بتراقبهم طول الوقت.. ما نسيبش السايب ف السايب كدهو.. لازم تبقى جامد عليهم شويّة علشان مصلحتهم.

- ما انا باشقّر عليهم كل وقت والتاني على قد ما اقدر.. واهو اللي بياكل على ضرسه ح ينفع نفسه واللي بيخرّز ح يخرّز على وركه واللي بيشيل قربة مخرومة ح تخر على راسه.. وانا ح افضل اجري وراهم لغاية إمتى؟.. دول بقوا شحوطه.

- معلهش يا خويا.. ما كلّه بيصب عندك ف الآخر.. واخواتك ف وشّك برضه مهما كان.. المهم خلّي بالك من نفسك وما تتنرفزش وان شاء الله ح تلاقوها بخير.

- ربّنا يستر.

وانطلق "باسم" من فوره حيث بيت أخويْه فركب سيّارته ولكنه فوجئ بأن إشارة البنزين تضئ معلنةً قرب انتهاء الوقود فعرج على المحطّة أولاً وهو يضرب أخماساً في أسداس، ونظراً لنشوب أزمةٍ عالميّةٍ كبيرة في الوقود ألقت بظلالها على "مصر" فقد ظلّ "باسم" منتظراً في طابور السيّارات خارج المحطّة أكثر من نيّفٍ وثلاثين دقيقة وإذا بهاتفه الخلوي يطلق رنينه وإذا بأخته تخبره بأنّها لم تكد تصل بيتها إلّا الآن وعرفت من أخيها "عادل" مدى القلق الذي سبّبته لهما واعتذرت كثيراً وأجهشت بالبكاء خوفاً من ردّة فعلهما ودرءاً لمنعهما لها من الذهاب إلى صاحبتها مجدّداً وبرّرت له غيابها بأنّها كانت منهمكة معها في استذكار دروسهما لساعةٍ متأخّرةٍ حتّى داهمهما النوم دون أن تشعرا إلّا في الصباح، وعندئذٍ عنّفها "باسم" عبر الأثير وأطلق نحوها عدداً لا بأس به من سهام الألفاظ المذمومة القادحة وهو يصيح عالياً مشوّحاً بيده في كل الإتجاهات وهدّدها بالانقطاع عن الدراسة والمكوث بالمنزل إن عادت لتلك التصرّفات ثانيةً، فامتصّت "نشوى" غضبه العارم واعتذرت له مراتٍ ومرات ووعدته بألّا تفعل ذلك مرّةً أخرى ولم تتركه حتّى تقبّل اعتذارها وصفح عن فعلتها، وظلّ "باسم" جالساً داخل عربته حتى حان دوره فملأ خزّان الوقود تماماً ومضى إلى عمله بالجريدة دون أن يكلّف نفسه عناء الذهاب إلى أخته والاطمئنان على أحوالها شخصيّاً بنفسه.

و في تلك الأثناء كانت "نشوى" تجلس على فراشها وقد هدأت أعصابها قليلاً وحمدت الله كثيراً على انقشاع هذه الأزمة المؤقّتة وألقت باللوْم على نفسها لأنها انصاعت من البداية لرغبات "عماد" ممّا أفضى بها إلى هذا الدرك الأسفل الذي لا تستطيع الفكاك منه، و"عماد" هذا هو نفسه "سلوى" سبب هذه النكبة التي أصابتها والشدّة التي ألمّت بها والبليّة التي لاتعرف كيف الخلاص منها.

وأطرقت "نشوى" رأسها في حزن حتّى أسندتها على الحائط المجاور لسريرها وبدأت الذكريات بينها وبين "عماد" تتوالى على مخيّلتها كشريطٍ سينمائي تترى مشاهده تباعاً:

|||||||||| ففي أوّل يوم لها في الجامعة منذ أقل من سنتيْن كانت "نشوى" تتحسّس طريقها وتتعثّر في مشيتها بين مقاعد قاعة المحاضرات لا تجد مكاناً تجلس فيه من شدّة الزحام إلى أن وجدت شابّاً وسيماً يشير لها على مقعد شاغر بجانبه فاتّجهت إليه وبعد أن اعتدلت في جلستها بدآ يتجاذبا أطراف الحديث بعد تردّدٍ لم يدم طويلاً من "نشوى" الخجولة التي إحمرّ وجهها وبردت أطرافها وارتعش صوتها:

- صباح الخير.. أنا "عماد".

- وانا "نشوى".

- أصل انا شفتك بتدوّري على مكان فاضي.. قلت انده لك تقعدي ف المكان اللي حجزته لصاحبي.

- طب وصاحبك؟

- يوْلع.. ولا اعرفه.. ده إذا كان جاي أصلاً.. أصل احنا حضرنا المحاضرات دي قبل كده.. حاكم محسوبك معيد.

- معقول!.. مع إن شكلك صغيّر ما يدلّش على إنّك من هيْئة التدريس!

- لأ.. انتي فهمتي إيه؟.. أنا معيد يعني عايد السنة.. يعني باعيد سنة أولى.

- ها ها ها.. يا سلام.

- تصدّقي؟.. أنا مستعد أعيد ألف سنة كمان بس أشوف الضحكة الحلوة دي على طول.

- باين عليك شقي.

- لا واللهِ.. ده انا غلبان.. بس جمالك ينطّق الحجر.. أنا مش باعاكس واللهِ بس دي الحقيقة مش قادر اخبّيها.

وأشاحت "نشوى" بوجهها بعيداً عن "عماد" من فرط خجلها وإحراجها من إطراءه على جمالها وحسنها، ولكنّه لم يتركها إلّا بعد أن ألقى على مسامعها مديحاً وتقريظاً دغدغ مشاعرها وأرهف أحاسيسها وجعلها تحلّق فوق السحاب حالمةً في أجواءٍ ورديّةٍ جميلة لم تفِق منها إلّا على صوت الأستاذ وهو يبدأ في إلقاء المحاضرة، وبعد المحاضرة أسرعت "نشوى" في تحيّة زميلها على استحياء وهرولت خارجةً وهي تكاد تطير من السعادة.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent