خبر
أخبار ملهلبة

لقاء مع "شيانج كاي شين" (3) | اغتصاب ومذبحة "نانجينج" التي يغفلها التاريخ

 

أم تحتضن رضيعها قبل قتلهما معاً

مقبرة جماعية لآلاف الصينيين

التحقيق في المجازر الجماعية في نانغينغ

جثث آلاف القتلى الصينيين ملقاة على ضفاف نهر اليانغتسي

أكوام من جثث الصينيين تنتظر إحراقها

طبيب ياباني يقوم بتشريح أسير حي بدون تخدير

شيانج كاي شين في شيخوخته

لقاء مع "شيانج كاي شين" (3)

 

 

-       ذكر بعض الشهود أن الجنود اليابانيّون كانوا يُحضِرون الأسرى ويُجبروهم على السير داخل حقول الألغام ليطهّروا الأراضي من الألغام من جهة وليتسلّوا برؤية أشلاء الصينيّين وهي تتطاير عندما ينفجر اللغم فيهم من جهةٍ أخرى .. وقد سُجّلت آلاف الحالات لعمليّات أكل لحوم البشر حيث كانت عادة أكل اللحوم تجري بشكل منظّم من قِبَل الجنود وبإشراف الضُبّاط لمواجهة نقص الغذاء أثناء انقطاع الإمدادات لكن في أغلب الأحيان لم يكن الجنود يأكلون لحم الصينيّين بسبب الجوع بل من أجل إثبات الذات حيث كان الضُبّاط اليابانيّون يجبرون جنودهم على تقطيع جثامين الأسرى المقتولين حديثاً وأكل لحومهم نيّئةً أو بعد شَيّها من باب كسر المحرَّمات واختبار الشجاعة وإطاعة الأوامر بهدف خَلْق الجندي المثالي الذي لا يخشى شيء .. ناهيك عن إجراء التجارب على آلاف الأسرى العسكريّين والمدنيّين وتعريضهم للمواد الكيميائيّة والجرثوميّة كالطاعون والجمرة الخبيثة والتيفويد بغرض تطوير الأسلحة الكيميائيّة والبيولوجيّة الفتّاكة للجيش الياباني ثم تشريح أجسادهم وهم مقيّدون أحياء بلا تخدير خوفاً من أن يؤثر التخذير على دِقّة نتائج التجارب .. وحكى الكثير من الشهود عن مجزرة نهر "يانغستي" يوم 18 ديسمبر حيث قام الجنود اليابانيون بتجميع الأسرى واستغرقوا النهار بأكمله وهم يربطون كل أربعة أسرى مع بعضهم ثم يُلقونهم معاً تباعاً في خضم النهر بعد أن يعدمون شخصاً واحداً فقط من كل مجموعة توْفيراً للرصاص فيقوم الميّت بجر البقيّة إلى قاع النهر وبالتالي يموت الجميع غرقاً .. هذا بخلاف أنهم كانوا يجمعون جثث الضحايا الصينيّين يوميّاً ويُلقون بها في مجرى النهر حتى تلوّنت مياهه بدمائهم وتلوّثت بأشلائهم فأسنت ولم تعد صالحةً للشرب .. واستمرّت تلك المذابح والجرائم لمدّة قاربت على الشهريْن وقع خلالها حوالي 300 ألف صريعاً خلاف مئات الآلاف من المصابين والجرحى والمشوّهين جسديّاً ونفسيّاً.

-       لا حوْل ولا قوّة إلّا بالله .. عددٌ ضخمٌ بالفعل .. ولكنني قرأت عن وقوع عددٍ ضخمٍ آخر من الضحايا في مناطق أخرى في "الصين" بسببكم أنتم أيّها القادة الصينيّون.

-       للأسف حدث ذلك فعلاً.

-       كيْف؟

-       بعد احتلال اليابانيّين لأراضٍ شاسعة من بلادنا حاولنا اتباع سياسة "الأرض المحروقة" عن بُعْد.

-       ماذا تقصد؟

-       أقصد أننا سعيْنا لتدمير تلك الأراضي المحتلّة والقضاء على مواردها وجعلها غير صالحة للمعيشة عليها فلا يستفيد منها المحتل الياباني بل لا يستطيع العيْش فيها وبذلك يتم إجباره على مغادرتها وإنهاء احتلاله لها بعد شل حركته تماماً .. ولأننا لم نكن متواجدين على تلك الأراضي وقتها ولم يسعنا الوقت لتدميرها قبل انسحابنا المتسرّع فقد اضطررنا لتدميرها عن بُعد أي ونحن بعيدون عنها .. وقد اضطررت للجوء لتلك السياسة لأنها كانت الأمل الوحيد الباقي لنا لإنقاذ البلاد من اليابانيّين.

-       وكيف فعلتم ذلك؟

-       أصدرت قراري في 5 يونيو 1938 بتفجير أغلب السدود المقامة على النهر الأصفر فاندفعت المياه الهائلة التي كانت مخزونة وراء تلك السدود واجتاحت ما أمامها بشدّة وغطّت الفيضانات المدمِّرة آلاف الكيلومترات من أراضي الفلّاحين وابتلعت قرى ومدناً كاملة فراح ضحيّتها حوالي من 400 إلى 900 ألف نَفْس ما بيْن قتلى ومفقودين في حين تشرّد 8 مليون آخرين وتفشّت فيهم المجاعة والفقر.

-       تعني أن الصينيّين حينذاك وقعوا بين شَقّيْ رحى أو بين طرفيْ كمّاشة .. فمن لم يمُت بسبب الغزو الياباني مات بسبب فيضان 1938 ؟

-       نعم .. للأسف.

-       أَسَف إيه وزِفت إيه يا شيخ .. فيه حد يعمل كده؟ .. الله يخرب بيوتكوا يا ظَلَمَة يا ولاد الكلب.

-       ماذا؟

-       قصدي عليكم اللعنة أيّها الحكّام الظلمة .. ألم تقيموا وزناً لحياة كل هؤلاء الملايين؟

-       كان علينا التضحية بهم للحفاظ على أرضنا التي هي أغلى وأقدس من حياتنا جميعاً.

-       وهل خُلِقَت الأرض إلّا لكي يعمرها الإنسان ويبعث فيها الحياة؟ .. ما قيمة الأرض بدون حياةٍ عليها؟ .. إن الأرض الميّتة غير جديرةٍ بالدفاع عنها فهي والعدم سواء.

-       هذه وجهة نظرك ولا يسعني إلّا أن أحترمها .. ولكنّني أختلف معك .. فالأرض الميّتة الحرّة يمكننا أن نحييها بعد زوال الاحتلال ورجوعها إلى أحضاننا .. وكما تعرف أن حياة العبوديّة هي موْتٌ بطيء ومذلّةٌ مؤكّدة أمّا موْت الحر فهو خلودٌ دائم.

-       وهل أتت وجهة نظرك وسياستك الخرقاء أُكُلها وانزاح الاحتلال الياباني؟

-       للأسف مرّةً ثانية: لا .. فلم يُثبت الفيضان فاعليةً ملموسة ولم يصد تقدّم القوّات اليابانيّة .. فلم نستطِع التحكّم في مجرى المياه التي اكتسحت أراضٍ أخرى وامتدت إلى مناطق بعيدة عن تواجد وسيْطرة العدو الياباني فلم تؤثّر فيه حتى أنه ظلَّ يتحرّك قُدُماً فاستطاع بعد ثلاثة أشهر من احتلال مدينة "ووهان" بعد أن هاجمها من محاور عِدّة.

-       أرأيْت .. أظنّك لم تكن مُحقّاً في حساباتك فقد غامرت بحياة غيرك .. هكذا الزعماء: يضحّون بشعوبهم ويضلّون في سعيهم وهم يَحسبون أنهم يُحسنون صنعاً .. هل أصابك الندم على ما اقترفت في سبيل حفاظك على الأرض؟ .. هل تساءلت يوماً عن ماهيّة الأرض بدون حياة وماهية الحياة بدون بشر وماهية البشر بدون إنسانية؟            

ولم أنتظر رد الرجل وتركته فاغراً فاه يسبح في بحرٍ من التساؤلات فدخلت آلة "الزمكان" وضبطت مؤشريْها على الوقت والمكان الحالييْن، وبعد أن وصلت غرفتي أسرعت بخلْع ملابسي وإزالة تنكّري وكتبت هذا الحوار الذي كان قبل أن أنسى تفاصيله، وبعد أن انتهيْت قفزت داخل فراشي وغرقت في سباتٍ عميق. 


google-playkhamsatmostaqltradent