خبر
أخبار ملهلبة

"أرواح بلا قبور" | الكبد المسكون (3)

 

"أرواح بلا قبور" | الكبد المسكون (3)

"أرواح بلا قبور" | الكبد المسكون (3)

 

 

ولم يمضِ سوى يوْمٌ واحدٌ فقط عندما كان "قاسم" نائماً فتركه أخوه ليقضي حاجته بدوْرة المياه الملحقة بالغرفة وفوجئ لمّا خرج بأن "قاسم" قد أمسك بسكّينٍ تُستخدم لتقطيع الفاكهة وانهمك في شقّ جلده فوق مكان الندبة التي خلّفتها جراحة زرع الكبد محدِثاً جرحاً كبيراً عميقاً تنزف منه الدماء الغزيرة التي لطّخت ملابسه وفراشه فحاول الأخ انتزاع السكّين من يد "قاسم" التي تخضّبت بالدم فدفعه "قاسم" بقوّةٍ وغضب بعيداً عنه وهو يغمغم بكلماتٍ صينيّة فسقط الأخ على الأرض ثمّ نهض ليستغيث بمن يعملون بالمستشفى ليمنعوا "قاسم" من إيذاء نفسه فهرولوا إليْه وأمسكوا بكلتا يديْه وعاجلوه بحقنةٍ منوِّمةٍ أخرى وقاموا بتقطيب الجرح وخياطته لإيقاف النزيف، واستيقظ "قاسم" فوجد نفسه مقيّداً بأربطةٍ تشدّ معصميْه وكاحليْه إلى زوايا السرير الأربعة غير قادرٍ على الحركة أو النهوض ووجد أخاه بجانبه يحكي له ما وقع منه فلم يتذكّر "قاسم" أيّاً ممّا حدث وطلب من أخيه أن يستدعي عالِم الروْحانيّات والمترجِم مرةً أخرى لتحضير روح "وانغ" عسى أن يفسّر هذه الحوادث الشاذّة.

وعندما حضرت روح "وانغ" تقمّصت صوْت "قاسم" الذي أفصح بالصينيّة وهو غاضبٌ عن أسرار ما يحدث فقد يأس "وانغ" من انتظاره لتعهّد عالِم الروْحانيّات الذي وعده من قبل بتحرير روحه من داخل جسد "قاسم" فاضطر "وانغ" أن يتصرّف بنفسه محاولاً قتل "قاسم" ليموت معه كبده المزروع فتنطلق روحه إلى السماء أو استخراج هذا الكبد من داخل جسد "قاسم" ليموت الكبد وحده فتتحرّر الروح المعذّبة من سجنها المحبوسة فيه، وأفضت روح "وانغ" لعالِم الروْحانيّات بأنّها لن تتوقّف عن تلك المحاولات حتّى يتحقّق لها ما تريد.

وعندما انتهت جلسة تحضير روح "وانغ" وعرف "قاسم" سبب ما يحدث أدرك أنّه هالكٌ لا محالة لأنّ الروح تستطيع أن تتقمّصه وتغيّبه عن وعيه فتتحكّم فيه وتسيْطر على أفعاله وأنّها لن تهدأ أو تستكين إلّا بعد أن تنعتق من سجنها المعتقَلة فيه بعد أن تتسبّب في موْته أو إقدامه على الانتحار وأنّ لا شيء سوف يمنعها من ذلك مهما كلّفها الأمر أو مرّ الوقت وأنّه لا يستطيع أن يقضي الباقي من عمره وهو مقيّد الأطراف أثناء صحْوه ومنامه خوفاً من أن تسوقه روح "وانغ" إلى الهلاك.

ولم يضِع "قاسم" وقتاً طويلاً حتّى أخذ قراره وشرع في تنفيذه فمضى في طلب عالِم الروْحانيّات وأبلغه عن طريق المترجِم أنه يريده أن يوصل رسالةً محدّدة إلى روح "وانغ" كان مضمونها أن "قاسم" قد ترك وصيّةً بالتبرّع بكبده المزروع الذي أصبح مِلْكاً له الآن إلى أي مريضٍ يحتاج إليْه وبذلك فإن روح "وانغ" الساكنة في هذا الكبد سوف تنتقل إلى شخص آخر وستظل هذه الروح حبيسةً مسجونة وأن الفرصة الوحيدة لها أن تكف عمّا تسعى إليْه من دفْع "قاسم" للموْت حتّى يستطيع "قاسم" بطريقته هو أن يحرّرها في خلال أسبوعٍ على الأكثر وإن لم يفعل فيمكن للروح وقتها أن تفعل ما تشاء ولم يفصح "قاسم" عن هذه الطريقة، وبالفعل أبلغ العالِم الرسالة للروح بعد حضورها في جلسته الأخيرة فوافقت على هذا الاتفاق ومنحت "قاسم" أسبوعاً لتحريرها من جسده وإلّا ستواصل سعيها لقتله.

وخلال هذا الأسبوع أعطى "قاسم" - الذي استغنى عن قيوده - أخاه قائمةً بالأشياء التي يريد منه أن يشتريها له ليستخدم بعضها ويهدي بعض الأطبّاء الصينيّين البعض الآخر، وضمّت هذه القائمة : كاميرا تصوير فوتوغرافيّة كبيرة كتلك التي يستخدمها المصوّرون المحترفون وكميّة من الجلسرين ونترات الفضّة والنشا وولّاعة سجائر وزجاجة بنزينٍ صغيرة وحقيبة تحوي كل تلك الأشياء، وبعد أن اشتراها الأخ كان "قاسم" يقضى وقتاً طويلاً مع هذه الأشياء داخل دورة المياه دون أن يفصح لأخيه عن سبب ذلك.

وبعد أربعة أيّامٍ استيقظ "قاسم" في غرفته بالمستشفى مبكّراً عن عادته وترك أخاه نائماً وغادر المستشفى دون أن يشعر أحد حاملاً معه تلك الحقيبة التي تضم الأشياء التي اشتراها وقضى وقتاً طويلاً في تجهيزها، واستقل سيّارة أجرة واتّجه إلى أكبر فنادق "بكين" حيث كان يُعقَد في إحدى قاعاتها مؤتمرٌ صحفي بمناسبة انتهاء المباحثات الثنائيّة بيْن الحكومة الصينيّة ووفد الخارجيّة الأمريكيّة بشأن الانتهاكات الصينيّة لحقوق الإنسان، وقبل دخوله القاعة كواحدٍ من الصحفيّين والمصوِّرين تمّ تفتيش حقيبة "قاسم" فلم يُلاحَظ فيها شيءٌ غير الكاميرا فدخل وسجّل اسمه ضمن طارحي الأسئلة والاستفسارات وجلس ينتظر، وعندما بدأ المؤتمر وحلّ دوْره فى السؤال قام وتحدّث الإنجليزيّة فشكر الوفد الأمريكي لاهتمامه بالتحقيق مع الحكومة الصينيّة لردعها ومنعها من ممارسة التعذيب والقهر ولكنّه سأل الوفد عن سر تجاهله لاختراقات حكومته في "واشنطن" بصدد نفس الموْضوع وكأنّهم فقط المسموح لهم باعتقال وتعذيب من يعارضون سياستهم الظالمة في معتقلات "بو غريب" و"كروبر" و"جوانتانامو"، وأضاف "قاسم" أنّه لا ينتظر منهم ردّاً لأنّ الرد الحاسم عليْهم سيصدر منه الآن ثمّ ضغط وهو يبتسم على زرٍ بالكاميرا التي يحملها فانفجرت قنبلةٌ كان قد صنّعها بداخلها فأصابت الكثير من الحاضرين بالقاعة وأوْدت بحياة آخرين فصعدت روحهم مع روحيْ "قاسم" و"وانغ" معاً ليفصل الله بيْن مَن كان منهم ظالماً أو مظلوماً.  



(تمّت)


google-playkhamsatmostaqltradent