خبر
أخبار ملهلبة

"للحب آلهةٌ كثيرة" | الفصل الثامن والأخير (2)


زوجة تحتضن ابنها وابنتها في حنان الأم

"للحب آلهةٌ كثيرة" | الفصل الثامن والأخير (2)

 

 

وعندما طال غياب الزوجيْن - اللذيْن حكم القدر عليهما بألّا يعودا إلى بيتهما أبداً - حلّت محلّهما "عبير" فأعدّت الغداء للطفليْن وأخذت تشرف على أكلهما بنفسها حتى أجهزا على الطعام تماماً بل وطلبا المزيد فلم تألُ "عبير" جهداً في إجابة رغباتهما الطفوليّة البسيطة، وجلست معهما بعد الغداء تسامرهما وتلعب معهما وتقص عليهما ما تيسّر من الحكايات التي كانت تحفظها منذ طفولتها فأعادها ذلك إلى ماضيها الجميل فلم تشعر بمرور الوقت إلّا وقد حلَّ المساء فقامت تحاول أن تتّصل "بكريم" أو "بسمة" لتعرف سبب تأخيرهما وقد خَبَت قليلاً النيران المشتعلة داخلها بعد أن ألهاها الطفليْن البريئيْن عمّا بقلبها من ضغينةٍ تجاه أسرتهما الصغيرة، ولمّا لم يجب عليها كلا الزوجيْن استمرأت العيْش في دور الأم وأبت أن تترك الطفليْن يناما قبل أن تنظفهما وتبدّل ملابسهما بأخرى نظيفة وتمشّط شعريْهما وتعد لهما بعض الشطائر مع كوبيْن كبيريْن من اللبن، ثمَّ استلقت بينهما على الفراش وأخذت تروي لهما حدّوتة ما قبل النوم وهي لا تكاد تصدّق أن هذيْن الملاكيْن يلتصقان بها وينامان في حضنها الدافئ بهذه السهولة، وللحق فقد أفاض الله على هذيْن الطفليْن الجميليْن من حُسن الخُلُق والخِلقة ما يستطيعان به أن يأسرا لُب كل من يخالطهما وأن يلينا قلب كل من يعاشرهما.

وبعد أن غرق الطفلان في سباتٍ عميق خرجت "عبير" إلى الصالة وهي تفكّر بعقلٍ وقلبٍ جديديْن؛ عقل غسله الطفلان الطاهران النقيّان وقلب تطهّر من الكُره والبغضاء، فأعادت نظرها فيما كانت تنتوي فهذان الطفلان لا يستحقّان أن تفرّق بين أبويْهما من أجل مصلحتها الشخصيّة فهما جديران بأن يعيشا حياةً سويّة في كنف حنان الأم وحماية الأب، فما ذنبهما في أنها تحارب لتظفر بحب أبيهما على حساب راحتهما وسعادتهما بل ومستقبلهما أيضاً، وما ذنب أمهما كذلك في أنها تقاتل لتنتزع منها زوجها فتحيا حزينةً مكلومة، وتصارعت داخلها الأحاسيس والمشاعر فدفعتها للبكاء الشديد واندفعت من مقلتيْها الدموع مدرارٌ فاغتسلت روحها ونَزهت نفسها من الأحقاد والضغائن ولأوّل مرّة تشعر بحلاوة التضحية والإيثار عندما اتخذت قراراً صائباً بأن تعترف للزوجيْن بأخطائها في حقّهما وبنيّتها الابتعاد عن طريقهما للأبد، واعتزمت أن تشترط عليهما أن تزورهما من وقتٍ لآخر لتنهل من معين ولديْهما الذي ذاقت حلاوته بنفسها، ولكنها رجعت سريعاً عن هذا الشرط لأنها وجدت فيه استمراراً لأنانيّتها المفرطة وجرياً وراء رغباتها الذاتيّة، فلتدعهما وشأنهما إذن، ولكن أين هما الآن ولماذا لا يردّان عندما تتصل بهما لتطمئن عليهما فقد تأخرا كثيراً وبدأت تقلق عليهما فهما بالطبع لا يمكن أن يتركا طفليْهما كل هذا الوقت دون أن يكون هناك سببٌ وجيه.

ولم يطل قلقها؛ فقبل أن تعلن الساعة عن حلول العاشرة ليلاً بقليل كان جرس الباب يدق سريعاً وكأنه نذير شؤم، وعندما فتحت فوجئت بأحد عساكر الشرطة يسألها في نبرةٍ حزينة :

- السلامُ عليكم.

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

- دي شقّة الدكتور "كريم حسين محمود الشافعي"؟

- أيوه .. خير؟

- واللهِ يا هانم مش خير أبداً .. هوَّ حضرتِك مين؟

- أنا .. آآآ .. أنا صديقة الأسرة .. فيه حاجة؟

- الحقيقة مش عارف اقول لحضرتِك إيه .. البقيّة ف حياتِك.

- ف مين؟

- في الدكتور "كريم حسين" وزوجته الدكتورة "بسمة سليمان".

- الاتنين؟

- أيوه يا هانم .. العربيّة بتاعتهم عملت حادثة وغرقت ف الترعة .. ولسّه بتوع الإنقاذ النهري مطلّعين العربيّة من شويّة .. وأوّل ما عرفوا شخصيّتهم من البطايق بتاعتهم بعتوا لنا إشارة بتبليغكم.

- لاحول ولا قوّة إلّا بالله .. إنّا لله وإنا إليه راجعون .. الله يرحمهم .. الله يرحمهم.

- البقاء لله يا ست .. لو سمحتي امضي لي هنا.

- إيه ده؟

- ده توقيع بالعِلم .. وحضرتِك تيجي بكره القسم علشان نقفّل المحضر وتستلمي الجثّتين وتعملي إجراءات الدفن.

- أنا؟

- حضرتِك أو أي حد من قرايبهم.

- دول ما لهمش حد أبداً .. ما فيش غيري انا .. حاضر .. أنا ح اعمل كل حاجة.

- البركة فيكي يا هانم .. اتفضّلي امضي.

- هنا؟

- أيوه .. تمام كده .. ما نيجي لكمش ف حاجة وِحشة .. السلام عليكم.

- مع السلامة.

وانصرف الشرطي تاركاً "عبير" في ذهولٍ مطبق ثمَّ انفجرت مرّةً أخرى في عويلٍ وانتحاب فلم يمهلها القدر حتى تعترف للزوجيْن بإثمها وجُرمها بحقّهما فماتا قبل أن يصفحا عنها ويهنآ بابتعادها عنهما، ولكنها عندما أمعنت التفكير فيما آلت إليه الأمور أيقنت أن الله يعطيها فرصةً ذهبيّةً جديدة لأن تنذر حياتها لرعاية الطفليْن لتكفّر عن خطيئتها فيغفر الله لها ولترد جميل حبيبها الذي ضحّى من أجلها ولتوفي حق صداقتها بالزوجة صاحبة الفضل عليها ولتُشبِع إحساسها بالأمومة فتغدق عليهما بما يملأ قلبها من حنانٍ وحب.

 

                                                                                   

(تـمّــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradent