خبر
أخبار ملهلبة

"شيء من الخبث" | الفصل التاسع (2)

 


"شيء من الخبث" | الفصل التاسع (2)

 

 

- يعني واحد زي الشيخ "إبراهيم" ما يمسكش العموديّة ليه؟.. ده راجل طيّب وعارف ربّنا.

- بس فقير زيّنا.. إحنا عايزين واحد غني.. م الأعيان مثلاً.. علشان لمّا يمسك العموديّة ما يسرقناش جامد.. على أساس إنه يكون شبع سرقة ومش محتاج يسرق أكتر.. وزي ما بيقولوا: إدّي مالَك للي عنده مال وادّي عيالَك للي عنده عيال.. إنما الفقير لسّه ح يسرق من أوّل وجديد.. وحلّني بقى عقبال ما يشبع.. ح تكون البلد بقت على الحديدة.

- لا لا.. الكلام ده مش مظبوط.. اللي يسرق بيضة.. يسرق جمل.. وبعدين هوَّ يعني خلاص.. بقى عادي إن أي عمدة لازم تكون إيده طويلة.. ما ينفعش ربنا يرضي علينا والعمدة الجديد تبقى إيده نضيفة؟

- يا عم ما كل واحد فينا بيكوّش ع اللي بتطوله إيده.. وكلنا بنلبّس الطواقي لبعض.. الفلاح بيضحك على التاجر.. والتاجر بيستهبل ع البيّاع سواء خُضري أو فكهاني.. والبيّاع بيستغل النجّار.. والنجّار بيغلّي ع المدرّس.. والمدرّس بيدّي دروس خصوصيّة لعيال البقّال.. والبقّال بيغش ف الميزان لمّا بيبيع للموظّف.. والموّظف بياخد رشوة من المهندس.. والمهندس بياخد فلوس بالزيادة لمّا ييجي يبني عمارة للجزّار.. والجزّار بيوزن اللحمة اللي نصها دهنة بوَرَق قَد كده للميكانيكي.. والميكانيكي يضرب الدكتور على قفاه ويزوّد ف المصنعيّة.. والدكتور يرجع م الأوّل يشتغل الفلاح.. وهَلُمّ جرا.. وربنا بيسلّط أبدان على أبدان.

- طب ما نحاول نصلّح نفسنا.. ونبطّل نسرق ونتسرق.. ح تلاقيها هيَّ هيَّ.. ده كمان ربّنا ح يبارك لنا حتّى ف القليّل.. بس احنا ما نبقاش طمّاعين ونرضي بقليلنا.

- ما هو احنا برضه بنعمل الغلط علشان ما فيش حد بيحاسب الغلطان.. مافيش عدل.. واحمد زي الحاج احمد.. الاتنين اخوات.. واللي ما يعملش الغلط مش ح يلاقي ياكل.. وكمان مافيش قدوة حلوة الناس شايفاها.. طول ما الناس شايفة إن عمدتها حرامي ح يبقوا همَّ كمان حراميّة.

- يعني انتم عايزين العمدة الجديد يمضي على كمبيالات الأوّل علشان لو سرق نعرف نرجّع فلوسنا؟.. ولا عايزينه يسمع كل يوم أغنيّة "دامت لمين" بتاعة "محمد رشدى" علشان يتّعظ؟

- يا عم لأ طبعاً.. إحنا عايزينه شريف بس.. صعبة دي؟

- وغير إن العمدة الجديد يكون شريف لازم برضه يكون عادل ومتواضع.. مش فاكر نفسه هوَّ بس اللي بيفهم ومعووج على خلق الله.. ويكون عايش وسطنا وعارف مشاكلنا.. صدق اللي قال: إبن بطني يفهم رطني.. مش بيننا وبينه ميت سور.. هوَّ ف برج عاجي ف سابع سما واحنا ف فُحرة ما لهاش قرار ف سابع أرض.

- آه.. وما يرازيناش بمراته وعياله وما يخلّيهمش يحكموا معاه زي ما يكون فاتح دكّانة وهمَّ بيساعدوه فيها.. يعني هوَّ احنا كنّا انتخبناه هوَّ ولّا انتخبناه هوَّ وعيلته واللي يتشدّد له؟

- وكمان يكون لسانه حِلْو مع الناس.. دول بيقولوا: الأدب راس مال.. و تكون شخصيّته قويّة ف نفس الوقت.. بس ما يبقاش عنده جبروت واللي يخالفه يودّيه ف ستين داهية.

- عايزينه يوجّهنا ويرشدنا مش يسوقنا زي الحمير.. كفاية بقى.. تعبنا من قولة: إتوصّوا بينا ياللي حكمتونا.. إحنا العبيد وانتم اشتريتونا.

- حُط فوق كده كمان إنه يبقى فيه الرمق وصحّته كويّسة علشان يقدر ع الشغل والهَم اللي وراه.. مش مكحكح وبينهج ف الضِل وعايز اللي يسقيه خمسميت دوا ويأكِّله ويشرَّبه ويلبِّسه البامبرز بتاع كبار السن.

- يعني باختصار العمدة يكون راجل متديّن ويتقي ربّنا.. ما هو المتديّن ده ح تلاقي فيه كل الصفات الكويّسة.. شريف وعادل ومتواضع ومضحّي ومؤدّب وحنيّن وصريح.. إلخ إلخ.

- أنا رأيي إنه مش شرط يبقى متديّن بس.. دي حاجة بينه وبين ربّنا.. المهم إنه يبقى حِدِق وحِرِك وقاري ومطِّلِع.. يعرف إزّاي يمشّي البلد وينطّقها لفوق.. ياما فيه عُمَد كَفَرة ولاد ستين ف سبعين بتوع نسوان واصحاب كاس إنما مخلّيين بلدهم فَشَر الجنّة.. وفيه عُمَد مُتَديّنين أجارك الله.. ممشيين بلدهم بالزق.

- فعلاً احنا مش عايزين راجل لَبْخَة وخِنْتَه يفضل مقعّدنا ف عنق الزجاجة طول عمرنا.

- صحيح.. كل عمدة ييجي يقول لنا احنا ف عنق الزجاجة ولازم نستحمل الفترة دي ولازم نشّد الحزام على وسطنا أكتر وبعدها الرخاء ح يزروطنا.. وآدي لنا سنين ف رقبة الإزازة ما بنعدّيهاش أبداً.. نفسي أعرف نوع أُم الإزازة اللي رقبتها بالطول ده.. واللهِ يا أخي دول همَّ اللي يستاهلوا رقبة إزازة ف قلبهم.

- لأ وانت الصادق.. إحنا ف قَعْر الإزازة.. وهمَّ برّه الإزازة بيتفرّجوا علينا واحنا بنعافر علشان نطلع منها.. والحزام راخر انقطع من كتر الشد.

- يا سلام بقى لو مُتديّن وف نفس الوقت فيه كل المواصفات اللي احنا قلناها.. على فكرة الصفات دي كلها قالها الفيلسوف العربي المسلم "أبونصر الفارابى" ييجي من ألف وميت سنة.. أنا قريتها ف كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة".. تفتكروا بلدنا ممكن تبقى زي المدينة الفاضلة؟

- تفتكر انت الأوّل إن فيه بني آدم فيه الصفات الحلوة دي كلها أصلاً؟.. ده أكيد يبقى ملاك.

- لأ طبعاً ما فيش حد كده إلّا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين الخمسة رضي الله عنهم جميعاً وسيّدنا عيسى عليه السلام.. الزمن ده ما فيهوش حد كامل من مجاميعه.. ولو فيه بيتقلب من موسي لفرعون بعد ما يمسك الحكم.

- ما احنا اللي بنفرعنه علينا من كُتر النِفاق والمَحْلَسَة والطَرْمَخَة.. قال: يا فرعون إيش فرعنك.. قال ما لقيتش حَد يلمني.

- علشان كده مش لازم العمدة الجديد يبقى هوَّ الكل ف الكل.. يعني يبقى له اختصاصات محدودة.. وبقية الاختصاصات تروح للمجلس المحلّي ولشيخ البلد.. ويدّي العيش لخبّازه من غير ما ياكل حتة منه.. ما هو مش معقول إنه ح يفهم ف كل حاجة.. يعني يبقى همزة وصل بين أهل المشورة وأهل الحكم.. أو زي ما بيقولوا بتوع القانون أن يكون حَكَماً بين السلطات ولا يمارسها.

- وكمان تبقى فيه رقابة جامدة ع العمدة والمجلس والموظفين كلّهم.. علشان اللي يوزّه الشيطان بأي حاجة يلاقي اللي يشكُمه.. ونبقى حاطّين عنينا على كل حاجة.. كفاية اللي راح.. مش ح نسيب الأمور تمشي عَلاولة كده.. صحيح: إحضر إردبّك.. يزيد خَرّوبَة.

- بالمِفتشِر كده.. لازم العمدة الجديد يبقى عَكس العُمَد القُدام خالص.. المفروض يكون أخَد عبرة واتعلّم م اللي حصل.. على رأي المثل: إتعلّم الكرم من البخيل.

- واربط الغزال ريح الحمار.. إن ما اتعلّم من شهيقه.. إتعلّم من نهيقه.

 

 

(يتبع)


google-playkhamsatmostaqltradent