خبر
أخبار ملهلبة

"شيء من الخبث" | الفصل الخامس (3)

 

"شيء من الخبث" | الفصل الخامس (3)

"شيء من الخبث" | الفصل الخامس (3)

 

 

وفي صباح الأربعاء وبداخل دوّار العموديّة تجمّع نفرٌ قليلٌ من أهل الشهداء لا يربو عددهم على أصابع اليد الواحدة فلم يسمح عساكر الهجّانة بدخول الآخرين الذين اضطُروا للبقاء في الخارج تنفيذاً لتعليمات ضبّاطهم الصارمة ولم يكن يوجد بالدوّار أحدٌ آخر غير بعض الخدم والخفر والعسكر، أمّا ضبّاط الهجّانة فوصلوا بعد فترةٍ ليست بالقصيرة، وبعد أن اتخذوا أماكنهم بدأ ساكنو "دره" يرتادون المكان وهم يرتدون ثياباً فاخرةً نظيفة؛ فدخل "إسماعيل" أوّلاً وهو باسم الثغر واثق الخطوة ومسلِّماً على الخفر والعسكر الذين وقفوا له وبادلوه التحيّة في توقيرٍ وتبجيل وسط نظرات غاضبة من أهل الشهداء الذين وكّلوا عنهم الشيخ "إبراهيم" في الحديث نيابةً عنهم إن سُمِح له بالكلام من الأساس، ثم دخل بعض الخفر المشكو بحقهم في قتل وإصابة أهل "الدهاشنة"، وتبعهم الأعيان المتحفظ عليهم: "نحيف" و"التقي" و"المغرباوى" و"صفرت العفيف" و"زبير جراده" و"فتوى شرور" و"أحمد عزّت" و"زكريا عجمى" و"برهومه سليمان" و"شامخ فهمى" و"عارف عبيس" وغيرهم ممن لم يهربوا بجلدهم من البلد كآخرين مثل "جوزيف عالى" و"محمد رشاد" و"حسين ظالم"، في حين تم استبعاد آخرين من المسائلة أمام قعدة الرجّالة أمثال "عمر سلمان" و"رفيق" و"يوسف دالى" لأسباب غير معلومة، ثم خطا لداخل الدوّار أيضاً ابني "عتريس" في كبرياءٍ وعظمة وكان أصغرهما يمسك بمصحف القرآن الكريم ليدلل على صلاحه وورعه وتقواه، وأخيراً ظهر "عتريس" وهو محمولٌ على محفّةٍ من قِبَل بعض الجنود وقد بدت عليه مظاهر الصحة الموفورة والعز الوفير؛ فاندهش أهل الشهداء ؛ فهل هذا شخصٌ مريضٌ مرضاً عضال ويحتاج سنيناً كي يبرأ منه؟، إنه أَوْفَرُ منهم صحّةً ووزناً؛ فقد كان شعره أكثر سواداً من أيّام حُكْمه للقرية، وكان حليق الذقن كعريسٍ يوم زفافه، وكانتا وجنتاه حمراوتان كالتفاح - الذي يسمع عنه فلاحو القرية بالكاد - من أثر الدمويّة الدافقة، وكان يرتدي جلباباً فخماً تفوح منه رائحة عطريّة نفّاذة تبعث بأريجها بعيداً، ولكنه رغم ذلك كان يصطنع الضعف والوهن مثله في ذلك مثل الثعلب الذي يتصنّع الموت إذا أحس بأن نهايته وشيكة.

بدأت وقائع القعدة بكلمة مطوّلة من "طهطاوي" تلا فيها الاتهامات التي يكيلها أهل القرية "لعتريس" سائلاً إيّاه في نهاية هذه الاتهامات عن صحّتها فأنكرها جميعاً فصاح فيه الشيخ "إبراهيم" أن اتقي الله وقل الحق؛ فزجره "طهطاوي" بعنف وهدّده بالطرد هو والحاضرين من أهل الشهداء إن تكرر منه ذلك مرّةً ثانية؛ فجلس الشيخ في مكانه وهو مكتوم، واستكمل "طهطاوي" كلمته أو قل كلماته التي لا تنتهي دون أن يعطي المجال لأحد كي يتكلّم، وكان "عتريس" طوال الوقت يتململ في فراشه وهو يشبّك أصابع يديْه ويحملق في لاشيء اللّهمَّ إلّا الفضاء السرمدي اللانهائي؛ ينام تارةً وينتبه تارةً ويضع سبّابته اليمني داخل أنفه غير مكترثٍ بمن حوْله تارةً أخرى في مشهدٍ يدعو للتقزّز والاشمئزاز.

وبعد مضي حوالي الساعة بقليل إذا بسعالٍ شديد يتملّك "عتريس" الذي يتكلّف التعب والإرهاق؛ فيؤجّل "طهطاوي" قعدة العرب هذه بناءً على طلب أولاد العمدة حفاظاً على صحّته، ويحدّد موعد القعدة القادمة في آخر خميسٍ من الشهر بعد القادم متعللاً بمشغوليّاته هو ورجاله.

ويخرج الشيخ "إبراهيم" ورفاقه يجرّون أذيال الخيْبة، وكانت عبارة "ولا حاجة" هي الإجابة الموّحدة التي تلفّظ بها كل منهم في مقابل السؤال الخالد لأهل القرية المنتظرين بالخارج "حصل إيه؟".

وتوالت جلسات "قعدة الرجّالة" الواحدة تلو الأخري في غياب من يمثّل أهل الشهداء بعد أن تم طردهم ومنعهم من الحضور بدءاً من الجلسة الرابعة حسب ما كان مخطَّطاً من قبل، ولم يعد أهل البلد يعبأون بما يحدث فيها بعد أن فترت همّتهم وتبدّد فضولهم، واحتسب أهالي الشهداء أولادهم عند الله عسي أن يعوّضهم المنتقم الجبّار خيراً عنهم.

وتكرر ما حدث في أمر ملاحقة قتلة الشهداء في أمورٍ أخرى كثيرة، فكان ضبّاط الهجّانة لا يتحركون ولا يتخذون أيّاً من هذه القرارات الهامّة إلّا تحت ضغط المظاهرات التي كان الشيخ "إبراهيم" يدعو إليها بناءً على إلحاحٍ من شباب القرية الذين يقودون الناس لحشد رأي عام لدفع الهجّانة لتغيير أمور البلد.

فقد أجبرت هذه المظاهرات الهجّانة على تسريح بعض الخفر القتلة أو تحويل بعضهم إلى المسائلة من قِبَل جلسات "قعدة العرب" المفبركة، وأجبرتهم أيضاً على إعفاء "رفيق" من شياخة البلد وتعيين "عصام شلش" الذي نزل للناس في ساحة مظاهراتهم وأقسم لهم أنه منهم ولهم وسيعمل على تحقيق مطالبهم العادلة ودلل على ذلك بأن جلس يأكل معهم من أكلهم الشعبي ( الكشري والفول والطعمية ) حتّى يكون بينهم عيش وملح؛ ولكنه كان ضعيف الشخصية رقيق الطباع ليّن الجانب فلم يلبث أن طواه ضبّاط الهجّانة تحت جناحهم وأرغموه على أن يكون تابعاً لهم يأتمر بأوامرهم ويتّبع أهواءهم.

وأجبرت المظاهرات أيضاً الهجّانة على تحديد موعدٍ دقيقٍ لانتخابات المجلس المحلّي المنوط به تمثيل أهل البلد أمام العمدة الجديد عندما يحين موعد اختياره وهو ما تحدّد أيْضاً بناءً على مظاهراتٍ أخرى بعد عدة تأجيلاتٍ وتسويفات.

هذا بخلاف بعض المظاهرات التي حُشِدَت أيْضاً من قِبَل بعض فئات أهل البلد كاتحاد عمّال الزراعيّة الذين تظاهروا لزيادة أجورهم، ورابطة جامعي الدودة الذين طالبوا بمنحهم وجبة أثناء عملهم، وأعضاء الجمعيّة الزراعيّة الذين رفعوا شعار "نعم لزيادة حصة الأسمدة"، وبعض الأهالي الذين قطعوا السكك الحديدية بجذوع الأشجار عندما نفذت تذاكر القطار المتجه للعاصمة في العيد، وسائقي سيّارات نقل المحاصيل والبضائع الذين حالوا دون سير العربات في الطريق الرئيس للقرية حتّى يرفعوا من تعريفة أجرة النقل، والعشرات من أهل بعض المنازل الذين منعوا الناس من الخروج أو الدخول من و إلى القرية اعتراضاً منهم على بعض الأشخاص الذين أقاموا برجاً للحمام، وآخرون انتهزوا الفرصة وقاموا بتجريف أرضهم الزراعية والبناء عليها ثم بدأوا في الإضراب عن الطعام لعدم توافر الطوب الأحمر، كذلك عائلة "الأسمرانيّة" الذين أضرموا النار في جُرن القرية وأمهلوا ضبّاط الهجانة فُسحةً من الوقت لإعادة توطينهم في أرضهم الأصليّة التي طردهم منها "عتريس" والعُمَد السابقون، وطلبة المدرسة الابتدائيّة المشتركة الذين هددوا بإحراق المدرسة في حالة وضع أسئلة صعبة في امتحان آخر العام، ومعلّمي نفس المدرسة الذين أضربوا عن التدريس إلى أن تزيد مكافآتهم في الامتحانات، وأطباء الوحدة الصحيّة الذين تقاعسوا عن واجبهم الجليل حتّى يتم توفير الأمن لهم وحمايتهم من الأهالي الساخطين على التدهور الرهيب للخدمة الصحية والمعاملة السيئة من الأطباء المتكبّرين، وغيرهم من الفئات مثل عائلة "الهلايلة" وعائلة "الصلايبة" وجماعة إخوان "وديع" وجماعة دعوة "شحاته" وجماعة رفاق "حمداوي"، وكانت كل فئة تحشد أكبر ما يمكنها من أعداد لتستعرض قوّتها ونسبة انتشار أتباعها بين الناس ومدى شعبيّة مطالبها محاولةً بذلك الدفع بنفسها في الطليعة والقفز فوق الأحداث واغتنام ما يمكنها قنصه من مكاسب ونسوا أنهم في البلد شركاءٌ لا فرقاء.

وبالطبع لم ينس ضبّاط الهجّانة أن ينفّذوا ما اتفقوا عليه من قبل بحشد وحشر من يواليهم ومن تضرّر من الثورة ومن المغيّبين والسذّج في الساحة الخلفيّة لدوّار العموديّة في نفس أيّام المظاهرات التي كان الشباب يدعون إليها في الساحة الأماميّة للدوّار من أجل التغيير للأفضل؛ حتّى يعطوا انطباعاً للكافّة بأن الذي قام بالثورة قطاعٌ من أهل البلد لا يمثّلهم كلهم وبأن هناك قطاعٌ آخر - لا يستهان به - رافضٌ للثورة ومطالبها العادلة وبأن الموقف ما هو إلّا صراعٌ بيْن جبهتيْن تختلفان في وجهات النظر فحسب وليست ثورة تُجْمِع عليها كل الفئات، وهذا هو كل المراد للهجّانة من ربّ العباد ليرفعوا عن كاهلهم ضغط أهل البلد في التغيير ويظلوا جاثمين على صدر حكم البلد إلى أبد الآبدين وليذهب أهل البلد إلى الجحيم.

وكما أفادت تلك المظاهرات أهل البلد في تغيير بعض الأمور إلا أنها عادت بالفائدة الأعظم على"عتريس" ورجاله؛ فقد ساهم تكرار هذه المظاهرات في أن تفقد معناها وتخسر ثِقَلها ويخبو وهجها وتجعل الناس يملّونها بل ويمقتونها حيث تسبّبت هذه المظاهرات التي كانت تقوم كل يوم جمعة تحت مسمّي مختلف في ركود سوق الجمعة الذي كان يشارك فيه شريحةٌ كبيرةٌ من أهل البلد بمنتجاتهم وسِلَعهم مما ادي إلى كساد بضائعهم وبوار تجارتهم وخسارتهم لدخلٍ كان يدر عليهم بعضاً من النقود التي كانت تكفيهم شر العوز والحاجة.

ومن ناحيةٍ أخرى ساهمت هذه المظاهرات في فتح باب الرزق لشرائح أخرى من أهل القرية والقرى المجاورة الذين عملوا كباعةٍ جائلين يطوفون بيْن المتظاهرين في الساحة الأماميّة ليعرضوا بضاعتهم المتنوّعة؛ فهذا واقفٌ في كُشْكٍ زجاجي يبيع الشطائر والفطائر، وذاك يفتّت الثلج ليدسّه بيْن المشروبات وداخل العصائر والعرقسوس، وثالثٌ يدفع أمامه عربةً بها مدخنة لتسخين اللب والسوداني، وآخرٌ يجّر خلفه عربةً لشواء البطاطا، وغيرهم يحثّون الناس على شراء سلعهم العديدة مثل الذرة المشويّة والفشار وغزل البنات والعسليّة والأعلام والبالونات الملونة، فضلاً عن لعبة البخت والنيشان والمدفع والنحلة ورشق العملات المعدنيّة في أعواد القصب والرسم على الوجه، مروراً ببائعي الجرائد والمجلات والكتب القديمة، ناهيك عن الأشخاص الذين احترفوا مهنة تصوير أهل البلد وهم في المظاهرات مع أصحابهم أو مع عساكر الهجّانة أو فوق الخيول والجمال، و... و... و...، وكان كل هؤلاء يهتفون ويتناقشون حيناً ويتجادلون ويتعاركون أحياناً أخرى في صوتٍ عالٍ مُحدِثين مع الباعة ضوضاءً صاخبة وجلبةً شنعاء، وأصبح المرء لا يسمع نفسه كمن كان في سوق "عكاظ"، وفقدت الساحة بهائها ورونقها وجلالها للأبد فقد غطت المهملات وبقايا الأطعمة والقمامة ومخلّفات شاغلي الساحة على آثار الدماء الطاهرة للشهداء والجرحي، وطفق الناس يدوسون على هذا وذاك في لا مبالاةٍ واضحة دون تمييز، وأصبح الشهداء والجرحى مجرّد أرقاماً وخيالات في أذهان الناس، وباتوا في طي النسيان اللّهمَّ إلا فئةٌ قليلةٌ من أهلهم وأهل البلد ظلّت تتذكر تضحياتهم بكل فخرٍ وامتنانٍ ووفاء.  

وفي خِضَم كل هذه المظاهرات والتجمهرات كانت هناك عينان تفيضان ألماً وحسرةً؛ عينان تراقبان ما يحدث من وراء القضبان؛ عينان لا يلحظهما أحد ولكنهما تلحظان كلَّ شيء؛ إنهما عينا "فؤادة" التي أصبحت نسياً منسيّاً؛ ففي وسط كل هذه الأحداث والاشتباكات بين جميع الأطراف في البلد نسيها أو تناساها كل الناس - عدا حبيبها "موفّق" - وكأنها لم تكن أبداً هي الغاية والهدف عندما اشتعلت الأحداث في أوّلها، وأيقنت "فؤادة" أن أهل البلد قد انشغلوا عنها بأمورٍ فرعيّة وبمطالبٍ فرديّة تخص فئاتٍ منهم، وأن هذه الأمور والمطالب لا تصب في مصلحة قضيتها المنسيّة لكنها تتفرّق لفروعٍ هامشيّة تؤصّل فيهم التشرذم والتفتّت.

حينها تذكّرت "فؤادة" قول الله تعالي: {بسم الله الرحمن الرحيم: "وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ويذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين" صدق الله العظيم}، وقول الرسول الكريم: {لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا} صدق رسول الله صلّي الله عليه وسلّم.

وتذكّرت أيْضاً - عندما ذهبت للكنيسة من سنوات لتشارك في زفاف صاحبتها "مريم" - آية الإنجيل التي قالها المقدّس "عيسى" حين كان يعظ العروسيْن: {لقمةٌ يابسة ومعها سلامة؛ خيرٌ من بيتٍ ملآن ذبائح مع خصام}، وكذلك قوْل المسيح عليه السلام: {كلُّ مملكةٍ منقسمةٌ على نفسها تخرب، وكلُّ مدينةٍ أو بيتٍ منقسمٌ على ذاته لا يثبُت} وابتهلت "فؤادة" إلى الله داعيةً إيّاه أن ينير بصيرة أهل القرية ويكفيهم شرَّ أنفسهم ويجمعهم على كلمة سواء، وألّا ينسوها هكذا بل يضعونها نصب أعينهم في جُلِّ حركاتهم وسكناتهم وفي جميع أقوالهم وأفعالهم.

google-playkhamsatmostaqltradent