خبر
أخبار ملهلبة

"شيء من الخبث" | الفصل العاشر والأخير (2)

 

"شيء من الخبث" | الفصل العاشر والأخير (2)

"شيء من الخبث" | الفصل العاشر والأخير (2)

 

 

واقترب "طهطاوي" من "موفّق" وصاح فيه مهدِّداً:

- وحياة امَّك ما ح اسيبك.. يا تقول لنا ودّيت "فؤادة" فين يا ح اخلّيك تنوَّر من كُتر الكهربا اللي ح تدخل جِتَّتَك.. ها ها ها.

وهنا استجمع "موفّق" قواه الخائرة  ليرسل بصقةً من فمه وصلت مباشرةً لوجه "طهطاوي" الذي استشاط غضباً فاحمّر وجهه وجحظت عيناه وانتفخت أوداجه وردَّ على "موفّق" بصفعةٍ قوية اهتز لها كل مَن كان في الدار؛ وقال لمن حوله وهو يمسح وجهه بالمنديل ويتأهّب للرحيل عن المكان :

- خدوا ابن الحرام ده وودّوه على دوّار العموديّة الجديد.. خلّينا نتسلّى بيه على رواقة.

ولم تمضِ غير دقائقٍ قليلة إلّا وقد انصرف كل مَن كان في الدوّار القديم مصطحبين معهم "موفّق" وهو موثق على كرسيه، فأسرعت "فؤادة" بمغادرة مخبأها وارتدت النقاب وخرجت لتقطع الطريق المؤدي لجامع القرية وهي تسابق الريح لتلحق بأهل البلد قبل صلاة المغرب، وما إن دخلت للجامع حتّى صرخت مستجيرة بعد أن أزالت نِقابها :

- إلحقوني يا ناس.. غيتوني يا هوه.. إنجدني يا شيخ "إبراهيم".

فتجمّع حولها أهل البلدة وتلقّفها الشيخ "إبراهيم" قائلاً :

- "فؤادة" !.. إنتي إيه اللي جابك هنا؟.. وخرجتي إزّاي من دوّار العموديّة؟.. عملوا فيكي إيه يا بنتي؟

وبعد أن روت لهم قصتها في عجالة تَرَجَّتهم بقوْلها :

- أبوس إيديكم تنقذوا "موفّق".. إنتم ما تعرفوش الراجل ده شجاع ومخلص قد إيه.. أنا ما شوفتش حد بأخلاقه طول عمري.

الشيخ "إبراهيم" :

- للدرجة دي إنسان كويّس؟

"فؤادة" :

- فوق الوصف واللهِ يا عم "إبراهيم".. وبعدين ده أصلاً من بلدنا.. وعارفنا واحِد واحِد.. وكمان بيحبّني وح نتجوّز إن شاء الله.. بس انتم إلحقوه بسرعة قبل ما يعملوا فيه حاجة.

وسارع الشيخ "إبراهيم" إلى المنبر والتقط الميكروفون وصاح بقوّة ليسمعه أهل البلد في  كلِّ بيْت :

- يا اهل البلد.. الليلة دي ليلة الخلاص.. الليلة اللي ح نحقق فيها كل اللي كنّا عايزينه وما عرفناش نوصل له طول الشهور اللي فاتت.. الليلة دي ح نخلّص "فؤادة" من أسرها ونبقى احنا كمان أحرار.. اللي بيطيع الله ورسوله وعايز يجاهد ف سبيل الله يجيب شعلة ويلحقنا على دوّار العموديّة الجديد.. اللي بيحب "فؤادة" ومستعد يضحّي بروحه علشانها ما يستنّاش ف بيته وييجي معانا علشان ننجدها.. بارَك الله فيكم.. بارَك الله فيكم.. بارَك الله فيكم.

وبالفعل لم تكد تمر بضع دقائق حتّى تجمّع أهل البلد عن بَكرة أبيهم بمشاعلهم من كل حدْبٍ وصوْب في الساحة الأماميّة وهم يعيدون نفس المشهد الذي حدث منذ أكثر من عام خسروا خلاله كثيراً وعانوا فيه أكثر.

وعندما رأي "طهطاوي" ذلك الجمع الغفير برز لهم من شرفة الدوّار ودار الحوار التالي بيْنه وبيْن الشيخ "إبراهيم" الذي فوّضه أهل البلد بالكلام عن لسان حالهم :

- جري إيه يا خلق؟.. ما لكم؟

- إحنا عرفنا كل حاجة يا "طهطاوي".. وجايين نحط حَد للمهزلة دي؟

- مهزلة !.. بقى بعد كل اللي عملته أنا والهجّانة علشانكم تقول مهزلة !

- عظّم الله أجرك يا سيدي.. كفاية اللي عملتوه فينا لحد كده.. إحنا ولاد كلب يا سيدي ومستغنيين عن خدماتكم.. إتهرينا يا أخي.

- حصل إيه بس لكل ده؟.. إحنا قصّرنا ف حاجة؟

- بلاش تلف وتدور علينا.. هيَّ كلمة.. تسيّبوا "موفّق" حالاً.. وتسيبوا كمان العموديّة النهار ده قبل بكره.

- "موفّق" ده خاين.. واحنا قبضنا عليه علشان خطف "فؤادة".. والله أعلم عمل فيها إيه.

- "فؤادة" أهي بخير والحمد لله.. و"موفّق" كان عايز يرحمها من تحت إيديكم يا كَفَرة.

- كَفَرة !.. الله يسامحك يا شيخ "إبراهيم".. بقى دي آخرتها؟.. عموماً إنت عارف إن أنا والهجّانة نقدر ندوّر فيكم الضرب والقتل ونفضل ف العموديّة زي ما احنا عايزين.. بس علشان تعرفوا قد إيه احنا ناس كويّسين إحنا ح نسيب العموديّة من غير مشاكل ونرجع ثكناتنا ندافع عن البلد بكل إخلاص.. واحنا ف خدمتكم دايماً.. دي حتّى العُموديّة كانت هَم تقيل على قلبنا.. والحمد لله إنكم ح ترحمونا منها.. بس احنا ح نسلّم العموديّة لمين؟.. ما انتم ما بتّتفقوش أبداً على حَد.

- ما تعملوهاش حِجَّة علشان تفضلوا ف العموديّة.. إنتم بس اتكلوا على الله ف أمان وعفى الله عمّا سلف.. مش ح نحاسبكوا على القديم ما دام مش ح تعملوا لنا مشاكل.. وانا وكبارات البلد اتوافقنا واحنا جايين على هنا إننا نختار "موفّق" عمدة علينا.. اللي يضحّي بعمره علشان خاطر "فؤادة" واللي أخلاقه كويّسة كده أكيد ح يخدم أهل البلد بعينيه ويكون نِعْمَ العمدة.

- ويا ترى "وديع" و"شحاته" والناس اللي تبعهم متوافقين على كده هُمَّ كمان؟

- ما تحاولش توقّع بيننا تاني.. هُمَّ ما يقدروش ما يتوافقوش معانا.. كفاية اللي حصل منهم قبل كده.. دخلوا المجلس المحلّي واترستقوا ع الكراسي وما شفناش منهم حاجة عِدلة.. وبعدين بقى هُمَّ اللي شاروا علينا بالشورى دي.. وكانوا أوّل ناس يقولوا إن "موفّق" ح يبقى أصلح واحد للعموديّة.. وفطّنونا عليه بعد ما كنا مش واخدين بالنا خالص م الحكاية دي.

- ماشي ماشي.. إنتم أحرار.

ودخل "طهطاوي" لرجاله وأمرهم بأن يطلقوا سراح "موفّق" ثم يعدوا العدّة للرحيل عن البلدة والعودة إلى ثكناتهم على حدودها، فخرج "موفّق" وهو يحاول أن يقيم جسمه ويمنعه من التهاوي من فرط الإعياء بسبب التعذيب، وتصايَح الناس في فرحٍ وسرور هاتفين بحياة "موفّق" الذي ارتمت في  حضنه "فؤادة" فوْر أن استطاعت الوصول إليه.

وعمّت الأفراح أرجاء القرية وسادت حالة من التفاؤل بين الناس الذين استبشروا خيْراً بما هو آت وتناسوا ما مرّوا به من أهوال.

وفي يوْم خميسٍ احتفل الناس نهاراً بتنصيب "موفّق" عمدةً "للدهاشنة" ثم احتفلوا ليلاً بزواجه من "فؤادة" وسط الزغاريد والضحكات والأماني الحُلوة.

وبعد ثلاثة أيّام آخرين مرّت كالحلم الجميل تحسّست "فؤادة" مكان "موفّق" أثناء تقلّبها في الفراش فلم تجده بجانبها فخرجت من غرفة نوْمها فألفته وهو يشعل سيجارةً ويشرع في الخروج، فنادت عليه قائلةً :

- على فين يا "موفّق" ف الساعة المتأخّرة دي؟

- "فؤادة"؟.. إنتي صحيتي يا حبيبتي؟.. أنا رايح أصلّي الفجر ف الجامع.

- بس الفجر لسّه فاضل له أكتر من ساعة ونص.

- أنا قلت اتمشّاها كده دنجي دنجي.. واهو بالمرّة أشرب لي كام سيجارة برّه البيت.. حاكم انا عارفِك ما بتطيقيش ريحة الدخّان.

- أنا نفسي تبطّلها خالص.. أنا خايفة على صحّتك يا حبيبي.

- ربّنا يخلّيكي ليَّ.. أنا ناوي إن شاء الله.. بس ف رمضان الجاي.. علشان الصيام ح يساعدني أنساها.. خشّي نامي انتي بقى.. تصبحي على خير.

- وانتَ من أهله.. ما تتأخّرش.

- من عيني.

 

 

(يتبع)


google-playkhamsatmostaqltradent