خبر
أخبار ملهلبة

"سفاح كرموز"| الفصل السابع (3)

 

رجل يدفن رأسه بين كفيه ويجهش بالبكاء وهو نادم

"سفاح كرموز" | الفصل السابع (3)

 

 

 

- ........!

- ما لِك؟ .. سكتّي ليه؟

- آآ .. أصلك فاجئتني .. أنا ما كنتش متوقّعة .. أصل .....

- قبل ما تردّي عليَّ .. خُدي وقتِك كويّس وفكّري على مهلِك .. مع إني مستعجل.

- لأ .. ما هي الحكاية مش محتاجة تفكير.

- (بفرحةٍ غامرة) طب الحمد لله .. فرّحتي قلبي.

- استنّى بس يا معلّم .. إنت مش واخد بالك من حاجة مهمّة قوي.

- إيه هيَّ؟

- أنا مخطوبة .. ابن عمّي خطبني .. ده احنا حتى لسّه عاملين النُص إكليل بتاعنا ف كنيسة "الدبّانة" من شهرين .. بس ساعات باقلع الدبلة لمّا يكون عندي شغل ف العمليّات.

وهنا صُدِم "سعد" بكل ما تعني الكلمة؛ فتجمّد الدم في عروقه وأحس أن روحه تفارقه وقلبه يُطعَن بسكّينٍ بارد فتوقّفت الكلمات في حلقه وشُل لسانه للحظات ولكنه قرّر أن يدافع عن حبّه ويقاتل في سبيل الظَفر بحبيبته حتى النهاية فاندفع يقول :

- بس انا باحبِّك.

- وهوَّ كمان بيحبّني.

- بس مش ح يقدر يسعدِك زيّي .. أنا مستعد افرش لِك الأرض دهب وجواهر .. أنا على استعداد اجيب لِك الدنيا كلّها تحت رجليكي.

- الحكاية مش كده .. إحنا موعودين لبعض من واحنا صغيّرين.

- أيوه يا "تيريز" بس من حقِّك ده الوقت لمّا كبرتي إنك تختاري بنفسِك .. إحنا لسّه فيها .. ممكن تفسخي الخطوبة .. بُصّي .. أنا ح اقنعِك .. بس استنّي اقفل باب الشونة علشان اورّيكي حاجة جوّه ما حدّش شافها غيرِك.

- يا سيدي مش عايزة اشوف حاجة .. باقول لك إن انا.......

- أبوس إيدِك إديني فرصة .. خلاص الباب اتقفل اهو .. تعالي كده شوفي.

وأمسك "سعد" يدها بقوّة وسحبها في هيستيريا عصبيّة - فقد كاد أن يُجَن عقله عندما شعر باحتمال فقده لمحبوبته التي علّق عليها كل آماله لخلاصه من وحل سقطاته وجرائمه - إلى مكانٍ ضيّق وراء كوْمةٍ عالية من أثواب القماش ثمّ أخرج مفتاحاً وفتح به صندوق مسروقاته الذي كان يخبئه بين الأثواب وأعطاها إيّاه صائحاً في تشنُّج وقد كاد أن يبكي:

- خدي يا "تيريز" .. خدي كل الدهب و المجوهرات والفلوس اللي ف الصندوق .. إنتي ما تعرفيش دول تمنهم كام .. تمنهم أرواح كتير وروحي انا كمان اللي حرقتها علشان اجيبهم .. خدي كل حاجة .. بس أبوس رجلِك ما تسيبينيش .. ده انا ممكن اموت لو اتخلّيتي عني.

ولكن "تيريز" نظرت بازدراء إلى الصندوق المليء عن آخره بثروةٍ لم ترَها من قبل ثمّ دفعت بالصندوق إلى "سعد" قائلةً بحسم:

- لمّا تدّيني كنوز "قارون" كلّها .. أنا باحب ابن عمّي ومش ح اتجوّز غيره.

وعند ذلك الحد أحس "سعد" أنه استنفذ جميع محاولاته ولم تبقَ سوى محاولةٌ أخيرة وسوس له بها الشيطان حالاً؛ فقد أقنع "سعد" أن يغتصب "تيريز" بالقوّة فيضطرّها كَرهاً إلى الموافقة على الزواج منه درءاً للعار وخوفاً من الفضيحة، وكان "سعد" على استعدادٍ لأن يفعل أي شيء في سبيل الاقتران بحبّه الأوّل والأخير فهجم عليها ومزّق قميصها وطرحها أرضاً وجثم فوقها محاولاً تجريدها من باقي ملابسها ليُتمّم اغتصابها ويسطو على شرفها وسط مقاومةٍ عنيفة يائسة من الفتاة التي تحاول أن تنجو بعِرضها من ذلك الوحش الآدمي دون جدوى، وحاولت "تيريز" أن تصرخ مستنجدةً بمَن ينقذها فلم يأبه لها "سعد" فلن يسمعها في هذا التوقيت أحدٌ خارج هذه الشونة الكبيرة وسط هذا الكم من الوِرش والمصانع ذات الضجيج العالي، وقبل أن ينال "سعد" غرضه سمع فجأة صوت كالون مفتاح باب المخزن وهو يُفتَح فوضع "سعد" يده اليمنى بكاملها فوق فم "تيريز" ليكتم صوتها لئلا تستغيث وناخ فوقها بكل ثقله كي لا تتحرّك وتُحدِث جلبة فقد كان خوفه عظيماً من أن يُفتضَح أمره وأمر جرائمه السابقة، ثم سكن وأصاخ السمع جيّداً فجاءه صوت "حسبو" وهو يصفّر ويدندن مغنيّاً وقد فتح باب المخزن بمفتاحه ليودع بعضاً من الأقمشة داخله بعد أن جلبها من الجمرك دون أن يشعر بأن أحداً بالمخزن وراء كوْمة الأثواب العالية، واستمر الوضع على ما هو عليه لمدة دقائق - دون أن يلحظ "سعد" أن "تيريز" قد توقّفت عن المقاومة - حتى فرغ "حسبو" من مهمّته وغادر المخزن بعد أن أوصد بابه من الخارج، وفي هذه اللحظة أراح "سعد" يده من فوق فم "تيريز" وأزاح جسده من فوقها ففوجئ بأنها لا تتحرّك بل لا تتنفّس أساساً، ويبدو أن يده الكبيرة قد كتمت مع فمها أنفها أيضاً فمنعت وصول الهواء إليها بالإضافة إلى ثقل جسمه التي رزح صدرها تحته فمنعها من التنفّس فاختنقت وهي تدافع عن شرفها وفضّلت الموْت عن أن ينال هذا الخسيس منها، ونظر "سعد" بذهول إلى وجه حبيبته البريء وقد غَمَضت عيناها وازرقّت شفتاها وشحب وجهها الذي أضفى عليه جلال الموت بهاءً فوق بهائه، ولم يستطع أن يتمالك أعصابه فأخذ يبكي وينتحب وهو يدفن رأسه في أحضانها الباردة ويضرب الأرض بيديْه حتى تورّمت، ولم يزل كذلك وقتاً طويلاً حتى كادت دموعه أن تجف فقام وهو يشعر بآلامٍ هائلة وأحزانٍ عميقة وأخلى مكاناً ممّا يشغله من أقمشة وبدأ يحفر فيه قبر "تيريز" وهو ينتحب حتى انتهى من دفنها وغطّى المكان بألواحٍ وعروقٍ من الخشب ثم وضع فوقها أثواب الأقمشة من جديد.

ومكث "سعد" قرابة الشهر واجماً لا يكلّم أحداً ولا يرد على أحدٍ سوى ببعض الكلمات المقتضبة، ولم تكُن عيناه تذوقان الكرى إلّا قليلاً وزهد في الطعام والشراب إلّا ما يسد رمقه وتمنّى لو غيّبه الموت فيلحق بحبيبته التي قتلها دون أن يقصد، وتسبّب ذلك في ضعفه ووهنه بعد أن صار نحيفاً شاحباً وقد طال شعر رأسه المنكوش ورسم السُهد ظلاله السوداء تحت عيْنيْه اللتيْن غارتا في محجريْهما غير ظاهرتيْن وسط وجهه الذي نبتت فيه لحيته كيفما اتُفِق دون تهذيب، وقرّر أن تكون "تيريز" هي آخر ضحاياه من الجنس الناعم بعد أن عرف حقيقة أغلبهن والتي كانت خافيةً عليه من قبل.

وبعد ذلك بدأ "سعد" يتعايش مع ما استجد من أحداث رويْداً رويْداً وأصبح غير قادرٍ على معاودة جرائمه وصار يعتمد على تجارته التي بارت بعد أن أهملها وأوكلها "لحسبو" الذي عاث فيها اختلاساً ونهباً مما دفعه للتفكير في استئناف نشاطه المربح مرةً أخرى.

google-playkhamsatmostaqltradent