خبر
أخبار ملهلبة

خطبة الحجاج في أهل البصرة | إحنا آسفين يا كليب

 


خطبة "الحجّاج" في أهل "البصرة"

 

هُو "الحجّاج بن يوسف الثَقفي" واسْمُهُ الحَقيقي "كُلَيْب" لَكِنّه أبْدله بإسم "الحَجّاج" .. وُلِدَ في عام الجماعة سنة 40هـ في "الطّائف" .. كان يُعلّمُ الصّبية القرآن والحديث فتمكّن من الإمساك بنواصي اللُغة وتفنّن في انتقاء المعاني الفصيحة والعبارات البليغة وكان خطيباً بليغاً مفوّهاً.

عندما خرج "عبدالله بن الزُّبَير بن العوّام" عن طاعة الأمويّين ونازعهم الخلافة قرَّر "الحجّاج" الذهاب إلى الشَّام لمساندة الخلافة الأُمويّة المُتعثّرة فالتَحَقَ بالشُرطة في الشّام والّتي كانت تُعاني سوء التنظيم واستِخفاف أفرادها بالنظام وقِلّة المجنّدين بها .. فأبدى حماسةً وانضباطاً وتفانياً في عمله وسارع إلى تنبيه قائد الشرطة آنذاك "روح بن زنباع" لكل خللٍ أو خطأ فقرّبه قائد الشرطة إليه ورفع مكانته ورقّاه فوق أصحابه ورأّسه (جعله رئيساً) عليهم فأخذهم "الحجّاج" بالشدّة وعاقبهم لأدنى تهاونٍ أو غلطة فضبطهم وسيّر أمورهم بالطاعة المطلقة لأولياء الأمر وهو ما لَفَت إليه أنظار الخليفة "عبد الملك بن مروان" الّذي رأي فيه شِدّةً وحَزماً وكَفاءة فأمّره (وضعه أميراً وقد كان عمره وقتها 32 عاماً) على رأس جيشٍ كبير زحف إلى الحجاز وحاصر "مكّة" خمسة أشهر وسبع عشرة ليلة حتى تفشّت المجاعة بين أهلها .. وبعد أن احتمى "عبد الله بن الزبيْر" وأصحابه بالكعبة ضربها "الحجّاج" بالمجانيق وهدم أجزاءً منها وقتل خَلْقاً كثيراً ثم أغار عليهم وأعمل فيهم القتل والذبح إلى أن قُتلِ "بن الزبيْر" فقطع "الحجّاج" رأسه وأرسلها إلى الخليفة "عبد الملك بن مروان" في "دمشق" ثم صلب باقي بدنه مُنكّساً على الطريق ليكون عِبْرةً لمّن يخرج عن طاعة الخليفة وأولي الأمر .. وبعد أن دانت له السيْطرة كافأه "بن مروان" بأن أقرّه على حُكم "الحجاز".

وقد كان "الحجّاج" قبيح الوجه صغير الجسد ولكنه كان سياسيّاً محنّكاً وقائداً مدبّراً وفي الوقت ذاته جباراً عنيداً مقداماً على سفك الدماء لأتفه الأسباب حتى ألقى الرعب في قلوب الرعيّة فلقّبوه بالحاكم المُبير (أي الذي يتسبّب في البوار والخراب) .. وبعد بقائه في ولاية "الحجاز" زُهاء عاميْن عزله "بن مروان" لكثرة الشكايا فيه ولكنه ولّاه على "العراق" (بدلاً من أخيه "بِشر بن مروان" الذي كان قد توفي آنذاك) لإخماد الفِتنة والفوْضى فيه ولإعادة النظام والأمن والاستقرار لربوعه ولتأديب أهله وحملهم على الطاعة والولاء .. ولبّى "الحجّاج" أمر الخليفة وأسرع (في سنة  75هـ - 694م) إلى "الكوفة" .. وفي أوّل لقاءٍ مع أهلها خطب في المسجد خُطبةً عاصفةً أنذر فيها وتوعّد المخالفين والخارجين على سلطان الخليفة والمتكاسلين عن الخروج لقتال الخوارج .. وقد تم تداول تلك الخُطبة الطويلة في كتب التاريخ (وربما أَستفيض فيها في مقالٍ آخر) فكان أبرز ما جاء فيها:

"......... يا أهل الكوفة إني لأرى رؤوساً قد أينعت (طابت واستوت) وحان قطافها (قطفها وحصادها) وإني لصاحبها (وأنا لها وقادرٌ على ذلك) .. وإن أمير المؤمنين قد نثر كِنانته (أخرج ما في الجُعبة التي توضع فيها السهام) بين يديه وعجم عيدانها (اختبر أسهمها) فوجدني أَمَرّها (أكثرَها مرارةً) عوداً وأصلبها مُكْسِرًا (صلبةً تعصى على الكسر) فرماكم بي لأنكم طالما أوضعتم (أستغرقتم) في الفِتنة واضطجعتم (استلقيتم) في مراقد (أَسِرّة) الضلالة (طريق الباطل) .. ولقد أمرني أمير المؤمنين بإعطائكم أُعطياتكم (رواتبكم كجنود) وبأن أوجّهكم لمحاربة أعدائكم الخوارج وإني أقسم بالله لو وجدت رجلاً قد تخلّف عن الالتحاق بالجيّش بعد أن يأخذ عطائه ثلاثة أيام إلا ضربتُ عُنُقَه".

وأَتْبَع "الحجاج" القوْل بالفعل ونفّذ وعيده فعلاً فبعد مرور ثلاثة أيّامٍ على خُطبته أمر بقتل واحدٍ ممَّن تقاعسوا عن الخروج للقتال فلما رأى الناس ذلك ارتعبوا وسارعوا بالانضمام للجيْش .. ولمّا اطمأن "الحجّاج" إلى استقرار الأوضاع في "الكوفة" ذهب إلى "البصرة" تسبقه شهرته في الحزم والقسوة وأَخْذِ الناس بالشدّة والصرامة وخطب فيهم خُطبةً مُنذِرةً زلزلت قلوبهم وحذّرهم من التخلّف عن الخروج مع الجيْش قائلا لهم:

·      قد بلَغَكم ما كان من قوْلٍ لأهلِ "الكوفة": لقد وصلكم ما قلته في خُطبتي لأهل "الكوفة".

·      وإني لأُعيدُ عَليْكم بَل أَزيد: ولن أكرّر أمامكم كلامي مرّةً أخرى فقط ولكني سأضيف إليه كلاماً آخر.

·      أيُّها النَاس مَن أَعياه داؤه فعِندي دَواؤُه: يا أهل "البصرة" .. مَن كان منكم مُتعباً من مرضٍ أصابه أو عِلّةٍ أَلَمّت به (يقصد نقيصة التمرّد على الحاكم أو عيْب الثوْرة على ولي الأمر) فسوف أعالجه وأريحه من ذاك المرض بالدواء الذي أملكه (يقصد أن عنده حلٌ جِذري يُنهي هذا التمرّد ويقضي على تِلك الثوْرة).

·      ومن استَطالَ أجَلَه فعليَّ أن أُعَجّله: ومَن مَدَّ الله في عمره أو عاش حياته طويلاً فسأم من عيشته فسوف أُنهي حياته فوْراً وأُسرِعُ بوضع نهايةٍ لعمره المديد.

·      ومن ثَقُل عليه رأسُه وضَعتُ عَنهُ ثِقَلَه: ومَن شَعَرَ أن رأسه حِمْلاً ثقيلاً على أكتافه فسوف أُريحه من حِمله وأخفّف عنه ذاك الوزن الثقيل (يقصد بقطع رأسه).

·      ومن طالَ ماضي عُمره قَصَّرتُ عليهِ باقِيَه: ومّن وَجَدَ أن ما مضى من عمره كان مديداً طويلاً فأنا على استعدادٍ أن أجعل باقي هذا العُمر قصيراً وأُنهي حياته.

·      إن للشّيطانِ طيْفًا وإن للسُّلطان سَيْفاً: وإذا ظهر "إبليس" في خيال أحدكم (يقصد لو وسوس "إبليس" لكم بالخروج على الحاكم) فإن الحاكم الذي بيده السُلطة (يقصد الخليفة الأُموي "عبد الملك بن مروان") يملك سيْفاً بتّاراً يسحق مَن يتجرّأ عليه.   

·      فمَن سَقُمَت سريرَتُه صحَّت عُقوبَتُه: فمَن أصاب المرض قلبه أو مَن كان سيّء النيّة فإنه من الصواب أن تتم معاقبته ومن الإنصاف أن يتم تأديبه.

·      ومَن وَضَعَه ذَنْبهُ رفعَهُ صَلبُه: ومَن صار مُنْحَطّاً وضيعاً في أسفل سافلين بسبب ما اقترفه من جُرْمٍ أو خطيئةٍ فسوف يُعذَّب ويُقتَل بعد أن يُرفع عالياً ويتم تعليقه ممدود اليديْن مشدود الرجليْن فوق صليبٍ أو عامود.

·      ومَن لم تَسَعْهُ العافية لم تَضِقْ عنه التَهْلُكة: وإذا لم يمر أحدكم من باب السلامة الفسيح الرحب فإن باب الموت والهلاك لم يكن ضيّقاً في يوْمٍ من الاأيّام (يقصد إن مَن ثار على الحاكم ولم يستطِع العيْش بسلامٍ في خنوع فإن الموْت في انتظاره).

·      ومَن سَبَقَتْهُ بادِرةُ فَمِه سَبَقَ بَدَنَهُ بسَفْكِ دَمِه: ومَن خرج من فمه كلامٌ متسرّعٌ قبل أن يتعقّل فيه ويفكّر بعواقبه وتوابعه فإن السيْف الذي سيقتله ويُسيل الدم منه سيكون أسرع من الدّرْعِ الذي يحميه (البدن هنا بمعنى الدَرْعُ القصير الذي يُغطّي الجِذع دون الأطراف).  

·      إنّي أُنذِرُ ثم لا أُنظِر وأُحذّرُ ثم لا أُعذِر وأتوعّد ثمّ لا أعفو: إنني إذا قمت بإنذار شخصٍ ما فلن أُمهله فرصةً أخرى .. وإذا قمت بتحذيره مرة فلن أتقبّل عُذره في المرّة الثانية .. وإذا قمت بتهديده فلن أغفر له أو أصفح عنه.

·      إنّما أفسَدَكم ضَعْفُ وَلائِكم: فإن ما سَبّب تَلَفِ أخلاقِكم ودفعكم إلي طريق الباطل والضلال هو افتقاركم الإخلاص للحاكم وافتقادكم لطاعته.   

·      أمّا أنا فإن الحَزْمَ والعَزْمَ قد سَلَباني سَوْطي وأبدلاني به سَيْفي: وبالنِسبّة لي فإن أَخْذَ الأمورِ بالشِدّة والانضباط والعزيمة والقوّة والبأس والشكيمة قد انتزعوا من يدي الكرباج الذي أضرب به المُخطئ ووضعوا بدلاً منه السيْف الذي أقتل به المُذنِب (يقصد أن عقابه لن يكون مجرّد التعذيب أو السجن بل القتل مباشرةً دون إبطاء).

·      فمِقْبَضُه في يدي ونِجادُه في عُنُقي وحَدُّه في عُنُقِ مَن عَصاني: فإنني أقبض على يد السيْف في قبضتي القويّة .. وأرتدي حمّالته حول رقبتي استعداداً للقتال في أي وقت .. ونصله الحاد القاطع أغرسه دائماً في رقبة كل عاقٍ ومتمرّدٍ.  

·      والله لآمرُ أحدكم بأن يخرُج من باب هذا المَسجد وخرجَ من الباب الّذي يليه إلّا ضَربتُ عُنُقَه: وأقسم بالله بأنني لو أمرت أحدَكم بالخروج من بابٍ مُحدّد بهذا الجامع وخرج من الباب الذي بعده فسوف أقطع رقبته (يقصد التحذير من عدم تنفيذ أوامره بحذافيرها في امتثالٍ ودِقّة).

·      ألا يتوقّف الرجلُ منكم وينظُر في أمرِه وفي حقن دَمِه ويُبْصِر موْضِعَ نفسِه ويرتدِع؟: لماذا لا يقف الواحد فيكم فيتأمّل موْقفه ويفكّر كيف يحافظ على حياته ويرى موقعه ممّا حوْله ويدرك مكانته الحقيقيّة ويحفظ مركزه جيّداً ويكبح جماح نفسه فيمتنع عن القيام بما يؤذيه ويأخذ العبرة مما أصاب غيره؟

·      أُقسِم بالله لأوشِك أن أُوقِع بكم وَقْعَةً تكونُ نَكالاً لِما قبلَها وأدباً لِما بعدَها: أحلِف بالواحِدِ الأحَد أنني على وشك أن أصيبكم بما تكرهون من عقوبةٍ جزاءً لكم على ما أذنبتم من قبل وتأديباً لكم كي تمتنعون عمّا قد تُقترفونه بعد ذلك. 


واستمر "الحجّاج" في حكم "العراق" والمشرق كله بالحديد والنار لما يربو على العشرين عاماً حتى توفي في شهر رمضان من عام 95هـ بسبب إصابته بمرض سرطان المعدة .. وكانت له حسناتٌ مغمورةٌ في بُحيْرة ذنوبه وبحر إغراقه في الدماء فكان له الفضل في:

-        قطع دابر الفِتنة وإحلال الأمن والسلام في البلاد.

-       الحرص على الجهاد واستئناف الفتوحات الإسلاميّة للبلاد المجاورة.

-  الإنفاق (من بيت مال المسلمين ومن ماله الخاص) على إنشاء كتاتيب تحفيظ القرآن والاهتمام بنَقْط حروف المصحف (بوضع النقط على الحروف فقد كُتِب المصحف بدون تنقيط أوّل الأمر) وإعجامه (بوضع علامات الإعراب والتشكيل على كلماته) عندما عهد إلى "نصر بن عاصم" بهذه المهمة العظيمة .. كما نُسب إليه تجزئة القرآن إلى ثلاثين جزءاً ووضع إشاراتٍ تدل على نصف القرآن وثُلثه ورُبعه وخُمسه .. وشجّع على اعتماد الناس على قراءةٍ واحدة (وهي قراءة "عثمان بن عفان") .. وأمر بنسخ مصاحفٍ عديدةٍ موحّدة وبعث بها إلى الأمصار (البلاد) الأخرى.

-       بناء مدينة "واسط" بين "الكوفة" و"البصرة" بعد أن اختار لها مكاناً مناسباً واستغرق بناؤها ثلاث سنوات ثم اتخذها مقراً لحكمه حتى دُفِن فيها.

-       القيام بجهودٍ إصلاحيّةٍ عظيمة في النواحي الاجتماعية والصحية والإدارية وغيرها .. فأمر بعدم النوح على الموتى في البيوت وبقتل الكلاب الضالة ومنع التبوّل أو التغوّط في الأماكن العامة ومنع بيع الخمور وأمر بإهراق (بسكب) ما يوجد منها .. كما وجّه ببناء الجسور على الأنهار وإنشاء عِدّة صهاريجٍ بالقرب من "البصرة" لتخزين مياه الأمطار وتجميعها لتوفير مياه الشُرب لأهل المواسم والقوافل بالإضافة إلى حفر الآبار في المناطق المقطوعة من أجل سُقيا المسافرين .. والإشراف على تعريب الدواوين والإصلاح النقدي للعملة وضبط معيارها .. وساهم أيْضاّ في إصلاح حال الزراعة في "العراق" بحفر الأنهار والقنوات وإحياء الأرض الزراعية .. كما اهتم بالفلاحين وأقرضهم ووفّر لهم الحيوانات التي تقوم بمهمة الحرث والفِلاحة وذلك ليعينهم على الاستمرار في الزراعة.

-       التدقيق في اختيار ولاته وعمّاله الذين كانوا من ذوي القدرة والكفاءة والأمانة .. ومراقبة أعمالهم ومَنْع تجاوزاتهم على الناس والتنكيل بالفاسدين منهم حتى أسفرت سياساته الحازمة عن إقرار الأمن الداخلي والضرب على أيدي اللصوص وقطّاع الطرق والحفاظ على أموال الرعيّة .. كما أنه لم يتربّح من منصبه أو يجني من ورائه شيئاً فعندما مات لم يُخلّف وراءه إلّا 300 درهماً فقط.


وفي عصرنا البائس حالياً نجد بعض الحكّام والولاة العرب وهم في أقصى حالات الضعف: فترى الواحد منهم غير حافظٍ للقرآن بل يتاجر به، وغير مشجّعٍ على حفظه ونشره بل منفّراً منه، وغير مجيدٍ للغته بل يتلعثم في خُطبه الركيكة، وغير حريصٍ على الجهاد أو قوْل الحق بل ناشرٍ للفساد والإفك، وغير متابعٍ للأعمال الإصلاحيّة التي تفيد الناس بل مهملٍ لهم ولمصالحهم، وغير أمينٍ على أموال شعبه بل مبعثراً لها ونهّاباً فيها وتاركاً منها لأولاده الملايين والملايير، وفوق ذلك كلّه يبطش بشعبه ويذيقهم من صنوف الهوان والمعاناة ألواناً وأطيافاً .. أي أنه لم يأخذ من "الحجّاج" سوى صفاته السيّئة الكثيرة كالغِلظة والشراسة والتجبُّر (وربما فاقه وتجاوزه فيها) دون أن يقلّده في خصاله الحميدة كالفصاحة والحزم وخِدمة الناس والحفاظ على المال العام والحث على الجهاد في سبيل الله.

لقد جاء علينا اليوْم الذي نتمنّى فيه أن يعود لنا زمن "الحجّاج" فهو أهوَن ممّا نحن فيه الآن .. لقد أصبحنا نادمين على فوات عصره .... إحنا نادمانين يا "حجّاج" .... إحنا غلطانين ف حقّك .... إحنا آسفين يا "كُلَيْب". 



google-playkhamsatmostaqltradent