خبر
أخبار ملهلبة

المثلبة (الرذيلة) الثانية والعشرون: الروتينُ المُمِلُّ والبيروقْراطيَّةُ الفارِغَةُ التي تَهْدِفُ إلى تَعْقيدِ الإجْراءاتِ المَكْتَبيَّة (البيروباثولوجي) ولَيْسَ إلى تَنْظيمِ العَمَل | سخصية مصر

 

كاريكاتير عن موظف حكومي روتيني يجلس على مكتب عالي ولكي يصل له المواطن يجب عليه الصعود على درجات سلالم طويلة من الأوراق الرسمية المستخرجة

النَمُوذَج

 

 

كانَتْ الدُكْتورَةُ "دَوْلَتُ العُقْدَةُ" تُمَثِّلُ نَموذَجاً فَريداً للسَيِّدَةِ المِصْرِيَّةِ التي تُحِبُ بَلَدَها؛ فَرَغْمَ أَنَّها عَلَى المَعاشِ وزَوْجَها مُتَوَفَّى إلّا أَنَّها كانَتْ تَرْفُضُ دَعَواتِ الإقامَةِ أَوْ الزيارَةِ التي يُرْسِلُها لَها وَلَدَيْها المُهاجِرَيْنِ إلى "أُسْتُراليا" مِنْ وَقْتٍ لآخَر، فَقَدْ كانَتْ تَخْشَى أَنْ تُوافيها المَنيَّةُ وهيَ خارِجُ الوَطَنِ فَيَتِمُّ مواراتُها ثَرَىً آخَراً غِيْرَ ثَرَى بِلادِها فَلَطالَما أَوْصَتْ وَلَدَيْها بدَفْنِها في نَفْسِ اللَحْدِ مَعَ أَبيهِما عَسَى أَنْ يَجْمَعَ اللهُ شَمْلَهُما مِنْ جَديدٍ وإلى الأَبَدِ كَزَوْجٍ وزَوْجَة؛ فَلَمْ يَجُلْ بِخاطِرِها أَبَدَاً أَنْ تُدْفَنَ بَعيداً عَنْ زَوْجِها الحَبيبِ الذي لَوْلا أَنَّها تَعْتَزُ بإسْلامِها لَتَمنَّتْ أَنْ تَكونَ كالسَيِّدةِ أَثْناءَ عَصْرِ الجاهِليَّةِ التي كانَ يَتِمُّ دَفْنُها مَعَ زَوْجِها حَيَّةً عِنْدَ وَفاتِه، وكانَ وَلَدَيْها يَحْتَرِمانِ فيها هَذِهِ العاطِفَةَ الجَيَّاشَةَ تُجاهُ بَلَدِها وزَوْجِها فَلَمْ يُحاوِلا أَبَداً أَنْ يُرْغِماها عَلَى العَيْشِ مَعَهُما في الخارِجِ وكانا يَزورانِها لِمُدَّةِ أَيَّامٍ كُلَّ عامٍ إذا ما سَمَحَتْ ظُروفُ عَمَلِهِما بالنُزولِ إلى وَطَنِهِما "مِصْر"، ولا أَحَدَ يَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ أَتَى تَعْبيرُ {النُزولُ إلى "مِصْر"} فَهَلْ مَنْ دَشَّنَ هَذا التَعْبيرَ كانَ يَقْصِدُ أَنْ يُشيرَ إلى أَنَّ "مِصْرَ" كالحُفْرَةِ العَميقَةِ الغائِرةِ التي يَتِمُّ النُزولُ إليْها مِنْ أَرْضِ العالَمِ الأَوَّلِ العاليةِ السامِقَةِ في الخارِج أَمْ كانَ يَقْصِدُ أَنَّها كالمَقْبَرَةِ ذاتِ القَرارِ السَحيقِ خاصَّةً وقَدْ اعْتادَ المِصْرِيُّونَ المُقِيـمُونَ في الغُرْبَةِ أَنْ يوصوا بِرُجوعِهِم "لمِصْرَ" ليُدْفَنوا فيها فَحَسْبْ حَيْثُ عُرِفَ مِنْ قَديمِ الأَزَلِ أَنَّ "مِصْرَ" مَقْبَرةُ الغُزاةِ والمِصْريّين أَيْضاً.

وفي يَوْمٍ غابَتْ عَنْهُ الشَمْسُ سُرِقَتْ محْفَظَةُ الدُكْتورَةِ مِنْ شَنْطَةِ يَدِها وهيَ تَسْتَقِلُ الحافِلَةَ بَعْدَ زيارَةٍ مُعْتَادَةٍ لِقَبْرِ زَوْجِها، وعِنْدَما أَتَى يَوْمُ قَبْضِ المَعَاشِ تَصَرَّفَتْ - رُبَّما تَحْتَ تَأْثيرِ مُعاناتِها مِنْ "الزَهايمَرِ" الجُزْئي - وكَأنَّها لَمْ تَعِشْ في "مِصْرَ" هَذا العُمْرَ الطويلَ ولَمْ تَمُرْ خِلالَهُ عَبْرَ الآلافِ مِنَ الإجْراءاتِ والمَعارِكِ في دَهاليزِ الدَوْلَةِ المِصْريَّةِ العَميقَةِ ومُؤَسَّساتِها الغَويطَة؛ فَذَهَبَتْ إلى المَصْرِفِ (البَنْكِ) ومَعَها جَوازُ سَفَرِها مُعْتَقِدَةً أَنَّه يَكْفي لإثْباتِ شَخْصيَّتِها لَكِنَّ المُوظَّفَ بَعْدَ أَنْ ابْتَسَمَ لَها ابْتِسامَةَ التَرْحيبِ المَعْهودَةِ أَبَى إلّا أَنْ تَكونَ مَعَها بِطاقَةُ الرَقْمِ القَوْميِ الساريَة، وعِنْدَما شَرَحَتْ لَهُ أَنَّ اسْتِخْراجَ بِطاقَةٍ جَديدَةٍ سَيَسْتَغْرِقُ وَقْتاً طَويلاً وسَيَكونُ راتِبُ المَعاشِ حينَها قَدْ تَمَّ تَحْويلُهُ حَسَبَ التَشْريعِ للأَماناتِ لَمْ يُعِرْها أُذُناً صاغيَةً بحُجَّةِ أَنَّه لا يَسْتَطيعُ تَجاهُلَ اللَوائِحِ والقَوانين، واقْتَرَحَ عَلَيْها مَشْكُوراً أَنْ تَذْهَبَ لَقِسْمِ المَعاشاتِ بِوَزارَةِ التَأْميناتِ الاجْتِماعيَّةِ وتَأْتي لَهُ بِنَموذَجِ "73 وزْ" مَخْتومٍ بِخِتْمِ النِسْرِ يَسْمَحُ لَها بِصَرْفِ المَعاشِ بجَوازِ السَفَرِ بَدَلاً مِنَ البِطاقَة.

وهُناكَ رَفَضَ المُوَظَّفُ المُخْتَصُ التَعامُلَ مَعَها أَصْلاً قَبْلَ أَنْ تَأْتيَ لَهُ بِشَهادَةِ "141 بَ طْ" مُوَثَّقَةٍ ومَخْتومَةٍ ومُمْهَرَةٍ بِتَوْقيعِ اثْنَيْنِ مِنَ المُوَظَّفينَ بالحُكومَةِ المِصْريَّةِ العَريقَةِ لِتُثْبِتَ أَنَّها ما زالَتْ عَلَى قَيْدِ الحَياةِ ولَمْ تَمُتْ بَعْد، وبَعْدَ مُجادَلاتٍ عَقيمَةٍ اضْطُرَّتْ الدُكْتورَةُ أَنْ تَذْهَبَ إلى أَحَدِ جيرانِها الذي يَعْمَلُ مُديراً لإحْدَى إداراتِ وَزارَةِ العَدْلِ ليَشْهَدَ مَعَ زَميلٍ لَهُ بأَنَّها حَيَّةٌ فاعْتَذَرَ لَها بأَدَبٍ مُبَرِّراً ذَلِكَ بأَنَّ تِلْكَ الشَهادَةَ مَسْئُوليَّةٌ كَبيرةٌ عَلَيْهِ وعَلَى زَميلِهِ ثُمَّ أَنَّه رّغْمَ مَعْرِفَتِهِ بِها مِنْ سِنينٍ طَويلَةٍ إلّا أَنَّه لَمْ يَتَثَبَّتَ أَبَداً مِنَ التَحَقُّقِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ شَخْصَيَّتِها مِنْ واقِعِ بَياناتِ بِطاقَتِها.

وحينَها أَدْرَكَتْ الدُكْتورَةُ "دَوْلَتُ" أَنَّه لا مَنْدوحَةٌ مِنْ اسْتِخْراجِ بِطاقَةِ بَدَلِ فاقِدٍ للبِطاقَةِ المَسْروقَة، وعِنْدَما تَوَجَّهَتْ للسِجِلِّ المَدَني فوجِئَتْ بالمُوَظَّفِ يَسْأَلُها وهوَ يكادُ يَتَقَيَّأ :

- حَضْرِتِك مُتَأكِّدَة إنْ البِطاقَة راحِت مِنِّك؟

- أَيْوَه واللهِ العَظيم.

- طَبْ روحي صَوَّريها صورْتين وحُطِّي عَلَى كُل صورَة تَمْغِة مَوارِد باتْنين جِنيه وتَمْغِة تَنْميَة بعَشَر قُروش واشْتِري بالمَرَّة نَموذَج "517 كَ ا كْ" عَليه طابِع شُرْطَة.

- أَصَوَّر إيه؟.. باقول لَك ضاعِت.. اتْسَرَقِت.

- ما انا سامْعِك يا سِتِّي.. حَدْ قال لِك عَلَيَّ أَطْرَش؟.. أَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظيم.. يا رَب صَبَّرْنا عَ الأَشْكال دي.. أَعْمِل لِك إيه إذا كانِت أُوضِة المَلَفَّات بِتاعِة البَطايِق القَديمَة اتْحَرَقِت.. أَنا باتْكَلِّم عَرَبي مِشْ لاوِنْدي.. هاتي لي صورْتين ضَوْئيتين أَوْ زِنْكوغْرافيتين مِ البِطاقَة اللي ضاعِت مِنْ أَيْ مُصيبَة.. مِشْ انْتي عامْلَة نَفْسِك دُكْتورَة ومُتَعَلِّمَة؟.. إتْصَرَّفي بَقَى.. روحي شوفي المَلَف بتاعِك فِ جِهِة عَمَلِك.. أكيد حَ تلاقي فيه صورِة البِطاقَة القَديمَة بتاعْتِك.. إتْفَضَّلي بَقَى اتْرِكِني عَلَى جَنْب خَلِّينا نشوف غيرِك.. إففففف.

وفي قِسْمِ شُئُونِ العامِلينَ بوَزارَةِ الصِحَّةِ أَخْبَرَها المُوَظَّفُ المَسْئول أَنَّ الوّزارَةَ لا تَحْتَفِظُ بالمَلَفَّات التي مَرَّ عَلَى قَيْدِها أكْثَرُ مِنْ ارْبَعينَ عاماً وأَوْعَزَ لَها بأَنْ تَذْهَبَ لِنِقابَةِ الأَطِبَّاءِ عَلَّها تَجِدُ بُغْيَتَها هُناك.

إلّا أَنَّ مُوَظَّفَ النِقابَةِ قالَ لَها بَعْدَ أَنْ اسْتَخْرَجَ مَلَفَّها :

- صورِة البِطاقَة مِشْ مَكْتوب عَليها "طِبْق الأَصْل".. ثُمَّ إنْ الريش اللي فِ الجِناح الشِمال بِتاعْ خِتْم النِسْر طايِر ومِشْ واضِح.. ومُنْقارُه كَمان مِشْ مُدَبَّب.. دَه غير إنْ المُوَظَّف اللي فَتَح لِك المَلَف أَيَّاميها كان مَسْطول.. فين أَصْل شَهادِة البَكالوريوس؟.. بُصِّي يا سِتِّي انْتي صَعْبانَة عَلَيَّ وانا عايِز اساعْدِك ومُسْتَعِد ادّيكي صورِة البِطاقَة اللي هِنا يِمْكِنْ يقْبَلُوها مِنِّك.. بَسْ الأَوِّل هاتي لي أَصْل شَهادِة البَكالوريوس مِنْ كُلِيَّة الطِبْ عَلَشَان يَبْقَى المَلَف كامِل.. إنْتي ما تِرْضي ليش بالأَذِيَّة.. وخُدي نَموذَج "104 بِسْبِسْ نَ وْ" ونَموذَج "601 بُوبِي هـَ وْ" امْليهُم وجيبيهُم وانْتي جايَّة.. دَه لَوْ جيتي تاني أَصْلاً.

وفي الكُليَّةِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَسْتَدِلَ عَلَى رَقْمِ مَلَفِّها في الأَرْشيفِ دونَ العَوْدَةِ إلى رَقْمِ البِطاقَةِ أَوْ عَلَى الأَقَلِّ رَقْمِ القَيْدِ الخاصِ بشِهادَةِ الميلاد.

ولمّا كانَتْ الدُكْتورَة قَدْ قُيِّدَتْ في مَكْتَبِ صِحَّةِ "دَنْدَرَة" بمُحافَظَةِ "قِنا" حَيْثُ كانَ أَبواها يَعيشانِ قَبْلَ انْتِقالِ الأُسْرَةِ "للقاهِرَةِ" فَقَدْ كانَ لِزاماً عَلَيْها أَنْ تِسْتَقِلَ القِطارَ إلى هُناكَ حَيْثُ صارَحوها بأَنَّ جَميعَ دَفاتِرِ القَيْدِ المُخَزَّنَةِ في حُجْرَةِ الصادِرِ والوارِدِ قَدْ تَلِفَتْ نَتيجَةَ طَفْحِ المَجاري المُتَكَرِّر بالمَبْنَى، وأَفادوها بأَنَّ عَلَيْها التَوَجُّهَ إلى مُسْتَشْفَى "قِنا" العامِ حَيْثُ وُلِدَتْ فَرُبَما تَعْثُرُ هُناكَ عَلَى ضالَّتِها المَنْشودَة.

وانْحَشَرَتِ الدُكْتورَةُ مَعَ غَيْرِها في صُنْدوقِ إحْدَى عَرَباتِ النِصْفِ نَقْلٍ المُسافِرَةِ "لقِنا"، وفي إحْدَى المُنْحَنياتِ بِهَذا الطَريقِ الضَيِّقِ حاوَلَ سائِقُ العَرَبَةِ مُفاداةَ إحْدَى المَقْطوراتِ المُنْحَرِفَةِ فاخْتَلَّ في يَدِهِ مِقْوَدُ السَيَّارَةِ فَهَوَتْ براكِبيها - وفيهِم الدُكْتورَة - إلى أَعْماقِ النيل.

وبَعْدَ مُضِيِ يَوْمَيْنِ اسْتَطَاعَ رِجالُ الإنْقاذِ النَهْريِ البَواسِلُ أَنْ يُنْقِذوا جُثَثَ الغَرْقَى التي تَمَّ انْتِشالُها وقَدْ انْتَفَخَتْ وتَقَيَّحَتْ وضَاعَتْ مَلامِحُها فَأَرْسَلوها مَعَ جَميعِ مُتَعَلِّقاتِ المَوْتَى ومِنْها جَوازُ سَفَرِ الدُكْتورَةِ إلى مَشْرَحَةِ المُسْتَشْفَى العامِ حَيْثُ تَعَرَّفَ أَهْلُ المُتَوَفِّين عَلَى ذَويهِم وتَسَلَّموا جَثامينَهُم لِدَفْنِها بَعْدَ إِنْهاءِ جَميعَ الإجْراءاتِ اللازِمَة، في حينَ بَقَتْ جُثَّةُ الدُكْتورَةِ وَحيدَةً في الثَلاّجَةِ تَنْتَظِرُ مَنْ يَتَسَلَّمُها أَوْ تَنْتَظِرُ أَنْ يُؤَكِّدَ الطَبيبُ الشَرْعيُ بَعْدَ تَشْريحِها بأنَّها - بالفِعْلِ - صاحِبَةُ جَوازِ السَفَرِ الباقي مِنَ المُتَعَلِّقاتِ المَعْثورِ عَلَيْها.

وبَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وأَثْناءُ التَفْتيشِ والجَرْدِ النِصْفِ سَنَوي عَلَى ثَلاّجاتِ المَشْرَحَةِ كانَ مُديرُ المُسْتَشْفَى يُوَبِّخُ المُوَظَّفَ المَسْئُولَ عَنِ المَشْرَحَةِ بقَوْلِه :

- يا أَخي ولَمَّا انْتَ عارِف إنْ جُثِّة السِتْ الغَرْقانَة دي بِتاعِة حادْثِة "دَنْدَرَة" بَقَى لها أَرْبَعْ أُشْهُر وماحَدِّش مِ الطِبْ الشَرْعي سَأَل فيها.. سايِب التَلاّجَة توِّرْ عَليها طول المُدَّة دي ليه؟.. مِشْ حَرام عَليك؟.. ولّا هيَّ عَلَشَان فُلوس الحُكومَة سايبَة؟.. إتْفَضَّل اخْلَص مِ الجُثَّة وابْعَتْها تِنْدِفِن فِ مَقابِر الصَدَقَة وما تِنْساش تسَجِّلْها فِ نَموذَج "113 شِي حَا هِس".

google-playkhamsatmostaqltradent