خبر
أخبار ملهلبة

إحنا ولاد الكلب الشعب (أحزان عادية) | عبد الرحمن الأبنودي

الصفحة الرئيسية

 


إحنا ولاد الكلب الشعب

(أحزان عادية)

 

 

وفجأة .. هَبَطِت ع الميدان

مِن كُل جهات المُدُن الَخرسا

ألوف شُبّان

زاحفين يسألوا عن موت الفَجْر

 

إستنوا الفَجر ورا الفَجر

إن القَتْل يكُف

إن القَبْضَة تِخف

ولذلك خَرَجوا يطالبوا

بالقَبْض على القَبْضَة

وتقديم الكَف

 

الدَم قَلَب الميدان وعَدَل

وكأنه دَن (برميل ضخم) نحاس مَصهور

أنا عندي فِكْرَة عن المُدُن اللي يكرَهها النور

والقَبْر اللي يبات مِش مَسرور

عندي فِكرة عن العار

وميلاد النار

والسِجْن ف قلبي مِش على رَسْمِة سور

 

قُلْت له: لأّه يا بيه .. أنا آسِف

بَلَدي بربيع وصَباح

لِسّه ف قلبي هَديل الينابيع

لِسّه ف صوتي صَهيل المِصباح

لِسّه العالَم حي

رايح جاي

بيفرّق بين الدُكْنَة وبين الضَي

 

بَلَدي مَهما تتضَيّع مش ح تضيع

ما ضايع إلّا ميدان وَسيع

يساع خيول الجَميع

يقَدِّم المِقدام

ويفَرْسِن الفارِس

ويترُك الشَجاعة للشَجيع

 

ولا باعرف ابكي صُحابي غير ف الليل

أنا اللي واخِد ع القَمَر

ومكَلّمُه أطنان من الشهور

وعلى النَظَر

مِن خَلْف كُوّة (فتحة صغيرة) ف سور

واللي قَتَلني ما ظَهَر له دَليل

 

وف ليلة التشييع

كان القَمَر غافِل

.. ما جاش

والنِجْم كان حافِل

لا بَطّل الرَقصَة ولا الإرتِعاش

 

لَمّا بَلَغني الخَبَر

اتزَحَم الباب

واتخاطفوني الأحباب

دَه يغَسِّل .. دَه يكَفِّن .. دَه يعْجِن كَف تراب

وانا كُنت موَصّي لا تِحملني إلّا كتوف إخوان

أكلوا على خوان

وما بينهُمْش خيانة ولا خَوّان

وإلا نَعْشي ما ح ينفدش مِن الباب

 

ما أجمل نومَة على كتوف اصحابَك

تُنْظُر صادقَك مِن كَدّابَك

تِبْحَث عن صاحِب أنْبَل وِش

ف الزَمَن الغِش

والرؤية قصادي اتسَعِت

بَصّيت وحاسِب نَفْسي بين خِلّاني

تعالوا شوفوا الدُنيا من مكاني

حاشِتنا أغراض الحَياة عن النَظَر

بالرَغْم من نُبْل الأَلَم والإنتظار

إتعَلّمنا حاجات أقَلّها الَحَذر

ونِمنا سَنوات مُدْهِشة

نحلِب ليالي حِلْمِنا المُنْتَظَر

 

وامتلأت الأسواق بالمواكِب

تبيع صَديد الوَهْم والمراكِب

وفارشة بالوَطَن على الرصيف

بالفِكْر والجياع وبالعناكِب

ومَذَلّة الرغيف

 

شويّة .. فات "سُقراط"

مسَلْسِلينُه من القَدَم للباط

ومُتّهَم باليأس والإحباط

وبالعَدَم وبالزِنا وباللواط

وبكُل كافِّة التُهَم

وهو عابِر للجَحيم على الصِراط

 

ينظُر على الشَعب التَعيس ويبتِسِم

إلى الجَحيم للفَلْسَفَة:

دُنيا لا كانت يوم

ولا ح تكون ف يوم كوَيّسة

دُنيا ف هَيْئِة خٌنْفِسة

دنيا فِسا

ما أتعَس الإنسان

ما أسعَد الحيوان

 

وعَبَر وصَف مِن الزواني وَراه

متلطّخين بالبودرة والمعاجين

حاسرين غَطاوي الروس

بطونهم عِريانين

بيغَنّوا: طوبَى لضِحْكِة المساجين

وعيال عرايا تفيض بها الطُرقات

من القُرى ومن المقاطعات

أطفال ف لون الجوع

صوت النَفَس مَسموع

أطفال شَبَه وضلوع

 

أمّا أنا .. فاتسَعِت الرؤية

وبَصّيت للمِسا وللنسايم المُنْعِسة

وللحَياة المُتْعِسة

وقُلْت ورا "سُقراط":

دُنيا ف هَيْئِة خٌنْفِسة

دنيا فِسا

ما أتعَس الإنسان

ما أسعَد الحيوان

 

قبل مروري على بَعض مكان

كنت موَصّي يَـمُّه أفوت

هَجَمِت م الحارة مجموعة نِسوان

رَقَعوا بالصوت

قالوا: يا "عَبد الرُحمن"

وقِدِرْت تموت!؟

وتفوت اللحم العاري المتهان!؟

ف المُدُن اللي ما عَدَاش منها ريحِة إنسان

 

أنا مُت

ومِش مَنظور لي جواب

متحَصَّن بكتوف الأصحاب

ولذلك فُت

لكن لمّا عَبَر نَعْشي بحر الموْكِب

اتهيّأ لي سمعت ما بين الصوت المِتركِّب

صوت "فاطمة" اختي الَحزنان

بيزاحِم كُل الأَصوات والأَحزان

واتذكّرت صورِتها ف زواني "سقراط"

ومَناحِة النِسوان

حَمامة "نوح" مَدْبوحة فوقة الكوم الحَزنان  

عَز عليَّ إني ما ادّيتهاش بال

مع إنها صاحبة أفضال

كانت تداويني من طعن الحُكّام والبَرد

وكانت تنصحني بعدم السير في قَعْر

الوادي الوَعْر

ولو إنّها كانت معتِرفة لي ف عبور الوِديان

 

عِند التُربة

قَعَد المُقر ِئ أَوْصاني

وادّاني كتابي بيَماني

قال لي: لو جوا لَك مَلَكان

قول: أنا "عبدُ الله" مش "عبدُ الرُحمن"

ودَعا لي ف لَحظِة ما يقوم للعَدْل ميزان

ينوبني شىء م العَفو وبَعْض الغُفران

 

وف لَحْظِة ما انا متزَحْلَق

ف قُماشي الابيَض

من جوف القَبر

اتقَدِّم ظابِط واتعَرّض

قَبَض ع الُجثَّة .. طَلَب الأَوْراق

مَزَع الأَكْفان .. عَدَل الوِش

وَقَف ورَكَلْني .. وقال لي بلُؤم شديد:

حَتّى ف الموت بتغِش

.. شيلوه

 

ولقيت نَفْسي والعَرَبيّة داخلة القَلْعة (اسم أحد المعتقلات)

كانِت الدُنيا ضَجيج والشَمْس نيران والعة

..... : قوم يا إنسان

أنا قُلْت: أنا "عَبْدُ الله" مِش "عَبْدُ الرُحمن"

زَي ما الشيخ أَوْصاني

قال لي: عِندي أَوْراق تثبِت إنّك مِش مِرتاح

أمرك فاح

 

ولقيت نَفْسي مُحاصَر تاني وتَحْت الرِجلين

قُلْت لنفسي: وبعدين؟

راح تِفْضَل كِده لامْتى يا غَلْبان؟

بتداري إيه؟

إيه باقي تاني عشان تبكي عَليه؟

وَطَنَك؟ .. مِتباع

سِرَّك؟ .. مِتذاع

الدُنيا حَويطة .. وانتَ بتاع

 

ويهين المَعْنَى الظابِط

ويدوس بالَجزمة ع الحِلْم

ربّنا رازقُه بجَهْل غانيه عَن كُل العِلم

..... : ماذا تَعني بالكون يا يساعَك يا يساعني؟

رُد يا جَربان يا ابن الوِسْخَة يا كَلْب

أظُنَّك ح تقول لي تاني: "الشَعْب"

وصَفَعني وتَنّى على بَطني بالكَعْب

 

..... : يا سعادة البيه وانا ليه؟

أو ليَّ ف العُمّال إيه؟

ما تغور الدُنيا والعُمّال دي تضيع

يا صاحب هذا المَبنى المَوْروث (يقصد سجن القلعة)

ضِل جدودك ف الجُدران مَغْروس

إنتَ السُلْطان .. وأنا المَمْلوك

إنتَ السَجّان .. وأنا المَمْسوك

إنتَ المَنصور وأنا المَسْفوك

أنا الصعلوك المَهْلوك

وامتى الصعلوك

يقدَر يتجاسِر ع السُلْطان

اللي ف إيدُه بدل البُرْهان مِليون بُرْهان

 

رَفَع الهِدْب (يقصد رَفَعَ جِفْنَيْه وفَتَحَ عَيْنَيْه)

ما هو بَرضُه دول يفهَموا ف الكِدْب

أَوِّل ما اتلَفِّت

جا غارِس الجَزْمَة ف قورتي

جيت اقعد بَرَّكْني على الأسْفَلْت

ولقيت نَفْسي مُحاصَر تاني تَحت الرِجلين

 

قُلْت لنفسي: وبَعدين؟

راح تِفْضَل كِدَه لامتى يا غَلْبان؟

ما لَقِتش الراحة ف الموت

يمكِن تلاقيها ورا القُضبان

إطَلَّعْت على الأرض .. على الأسفلت .. وع الجُدران

.. ع الباب .. ع الشِبّاك .. ع القُضبان

ع المَوْقِف .. ع السِجْن وع السَجّان

ولقيتني طول عُمري كُنت كِده

كَلْب .. مُحاصَر .. مِتهان .. مَنْبوذ .. جَرْبان

وانا يا ابني الحِلْم اللي ما لهش أوان

مَعروف عِشّي ف قَلْب البُسْتان

مَعروف صوتي ف زَمَن الأحْزان

وف أَي زَمان

 

واتذكّرت سَنَة ما اتبَنِت القَلْعة

وكنت أنا أوّل مَسجون

وكان الظابط دَه أوّل سَجّان

يوم ما رَكَلْني نَفْس الرَكْلَة

يوم ما صَفَعْني نَفْس الصَفْعَة

نَفْس طَريقِة الرَكْل

وآخر الليل جا لي بدم صحابي ف الأَكْل

استأذِنت أرَتِّب أقوالي

إتقَفَل الباب

واتفَتَح الباب

وخَلاص

 

يا عم الظابِط انتَ كَدّاب

واللي بَعَتَك كَدّاب

مِش بالذُل ح اشوفكُم غير

أو استرجع مِنكُم خير

انتوا (انتم) كِلاب الحاكِم

واحنا الطير

انتوا التَوْقيف واحنا السير

انتوا لصوص القوت

واحنا بنِبني بيوت

إحنا الصوت

ساعِة ما تحِبّوا الدُنيا سكوت

إحنا شَعبين .. شَعبين .. شَعبين

شوف الأَوّل فين!؟

والتاني فين!؟

وادي الخَط ما بين الاتنين

بيفوت

 

انتوا بِعتوا الأَرْض بفاسها .. بناسها

ف ميدان الدُنيا فَكّيتوا لباسها

بانِت وِش وصَدْر

بَطْن وضَهْر

ماتت .. والريحة سَبَقِت طَلْعِة أَنفاسها

واحنا وِلاد الكَلْب الشَعْب

إحنا بتوع الأَجْمَل وطَريق الصَعْب

والضَرْب ببوز الَجْزمَة وبسِن الكَعْب

والموت ف الحَرْب

 

لكن انتوا خَلَقكم سيد المُلْك

جاهزين للمُلْك

ايديكم نِعْمِت مِن طول ما بتِفْتِل و بتِفْتِل لَيالينا الحُلْك

انتوا التُرْك واحنا الهُلْك

سَوّاها بحِكْمِتُه صاحب المُلْك

 

أنا المَسجون المَطحون

اللي تاريخي مَركون

وانتَ "قَلاوون" و"ابن طولون" و"نابوليون"

الزِنزانة دي مبنيّة قَبل الكون

قَبل الظُلم ما يكسَب جَوْلات اللون

يا عم الظابِط إحبِسني

سَفّفْني الحَنْضَل واتعِسني

رأينا خِلْف خلاف

إحبسني أو اطلِقني وادهَسني

رأينا خِلْف خلاف

واذا كُنت لوَحدي دَه الوَقت

بُكْرَة مَعَ الوَقت

ح تزور الزِنزانة دي أَجيال

وأكيد فيه جيل

أَوْصافه غير نَفْس الأَوْصاف

إن شاف يوْعى

وان وعي ما يخاف

 

انتوا الخَوَنة .. حتّى لَوْ خانّي ظَنّي

خُد مفاتيح سِجنَك ويّاك

واترُك لي وَطَني

وَطَني غير وَطَنَك

.. ومِشي

قُلْت لنَفْسي:

ما خَدَمَك إلّا مَن سَجَنَك

 

 

عبد الرحمن الأبنودي

google-playkhamsatmostaqltradent