خبر
أخبار ملهلبة

وما زال الراديو صامداً | الخيال والمتعة والسِحر عبر الأثير

 


الخيال والمتعة والسِحر عبر الأثير



هل جرّبت لذّة الاستماع إلى الراديو (خصوصاً أثناء استرخائك قبل النوم) وتغمض عينيْك وتسمع أصواتاً (في تمثيليةٍ ما أو فيلم ما أو حتى موسيقى ما) فيقوم خيالك بتحويلها إلى صورٍ متحركة وبناء مشاهد كاملة من العدم .. أن إدمان الأجيال الجديدة لمشاهدة التلفيزيون جعل خيالهم شديد الجفاف وتخيّلهم شديد الكسل غير قادرٍ على التحليق عالياً بعيداً عن رتابة الواقع وجموده ممّا يساهم في بناء أفضل لوظائف العقل وتدريب المشاعر على التفاعل البنّاء.

تتميّز الإذاعة بشغلها حاسة واحدة فقط لتبقى باقي الحواس في حالة استرخاء أو تفاعل مع المحيط .. وهي قادرة على أن تحرِّك الخيال فتكون أقدر على الترفيه العميق لا السطحي لأن الخيال أوسع وأشد تنوعاً من الحقيقة .. وهي أقدر على أن تقيم علاقةً حميمةً مع المستمع لأن الراديو القريب منك يجعلك مستمتعاً بما يفاجئك أو تختاره من ترفيهٍ جاد أو برامج رصينة أو موسيقى أخّاذة وأنت في أي وضعٍ مريح تختاره بنفسِك ليساعدك على الهدوء والراحة النفسية دون أن يجبرك على تأخذ وضعاً معيّناً فمشاهدة التليفزيون البعيد عنك يشترط استواء الرأس للمشاهدة وتيقظ عدد من الحواس كما يفسد عليك هدوءك بومضاته الضوئية الغير منتظمة التي تتراقص أمام عينيّك بحدّة فتقطع استرخاءك كما تحد من رسمك الخيالي الغني للمشاهد والديكورات وتجعلك ملتصقاً بما يقدَّم لك من مشاهد قاصرة وديكورات رخيصة .. إن الاستماع إلى الراديو يبعث على السعادة والسكينة والارتياح فعلاً .. وإن كنت لا تصدّقني فجرّب وقارن بين أن تستمع في الراديو مثلاً لقصص "ألف ليلة وليلة" بصوت "زوزو نبيل" وزملائها وأن تشاهد في التليفزيون نفس هذه القصص ببطولة "شريهان" ورفقائها .. أتذكّر أن أحد وزراء الإعلام الأكفاء في أواخر السبعينيّات (عندما كنت طفلاً صغيراً) أصدر قراراً بوقف البث التليفيزيوني لمدة ساعتين بعد الإفطار في أحد شهور رمضان مما سبّب غضبنا وحنقنا لأننا كنا ننتظر الفوازير التليفيزيونية البديعة وننبهر بخدعها البدائيّة أيّما انبهار ونتساءل في استغرابٍ وسذاجة كيف جعل المخرج "فهمي عبد الحميد" الممثّلة "نيللي" تطير في الهواء أو تركب مركبتها الفضائية "التمبوكّة" وتهبط بها على أسطح القمر والكواكب أو جعل منها شخصيْن كالتوأم يكلّمان بعضهما أو يرقصان .. ولكننا بعد فترة كنا قد اضطررنا إلى الاتجاه للراديو والاستماع عنوةً للدراما والبرامج الإذاعية الشيّقة فارتبطنا به منذ ذلك الحين وأعجبنا بما يقدّمه من فنون يبدعها أفضل الإذاعيين والفنّانين مثل "آمال فهمي" و"أبلة فضيلة" و"فؤاد المهندس" و"أحمد مظهر" و"بابا شارو" و"وحيد حامد" و"سمير عبد العظيم" و"وجدي الحكيم".

أرجو أن تبدأ هذه التجربة الليلة وأنت تسترخي قبل النوم .. قارن بين الفيديوهيْن المرفقيْن (أولهما فيديو وثانيهما راديو .. أي فيدراديو) وأخبرني كم استمتعت بأيهما أكثر .. وتستطيع أن تتمادى وتذهب بعيداً فيصير استماعك للراديو جزءاً من مراسمك اليومية وطقوسك المعتادة .. صدّقني لن تندم.

google-playkhamsatmostaqltradent