خبر
أخبار ملهلبة

الفصل الثاني | للحب آلهةٌ كثيرة (3)

 

رجل مقعد يجلس على كرسي متحرك

الفصل الثاني (3)


     

ورغم كل هذا الجهد الشاق الذي تبذله "بسمة" إلّا أن الأمر لم يخلُ من بعض المشادّات التي افتعلها "كريم" ليعوّض بها عجزه ويثبت أنه ما زال ذلك الرجل الشرقي الذي يفرض سيطرته على زوجته التي تنفّذ إرادته وتحترم رؤيته، وللحق فقد واجهت الزوجة تلك المشاكل برويّةٍ وصبرٍ وذكاءٍ وحُسن تعامل حتى لا تتفاقم الأمور فيشعر "كريم" بإعاقته فتتدهور حالته :

ففي ذات يوم حضرت "بسمة" متأخّرةً بعد الموعد المعتاد لعيادتها المسائيّة وما إن ولجت داخل المنزل حتى قابلها "كريم" بتهكّمٍ وسخرية حين قال :

- ما بدري يا هانم .. فيه واحدة محترمة تدخل بيتها ف انصاص الليالي .. طبعاً .. ما هو البيت ما فيهوش راجل.

- ده كلام برضه يا "كريم" .. ده انت راجل وسيد الرجاله .. وبعدين الساعة لسّه ما جاتش حداشر.

- أومّال مش عاملة حسابي ليه ودايرة تتسرمحي على حل شعرِك؟

- الله يسامحك يا حبيبي .. كان عندي حالة قيصريّة وكانت غلسة شويّة.

- مش احنا اتفقنا ما تولّديش حالات بالليل وتكتفي بالولادات اللي ف الصُبح؟

- الست دي زبونتي من زمان وما اقدرش اتخلّى عنها ف ولادتها .. وبعدين احنا أوْلى بالفلوس دي.

- قصدِك تمسكيني من إيدي اللي بتوجعني؟ .. عايزاني أخرس وما اتكلّمش علشان الفلوس؟ .. لا يا ستي تغور الفلوس اللي ييجي من وراها كلام الناس.

- ما الناس عارفة إني دكتورة .. ودكتورة نسا كمان .. طبيعي جداً إنى اتأخّر.

- لأ طبعاً مش طبيعي .. إنتي مش واخدة بالِك إن جوزِك مشلول وبقى فيكي الطمع من كل من هب ودب؟

- ما تقولش مشلول .. إنت وضعك مؤقّت وإن شاء الله ح ترجع زي ما كنت وأحسن .. وبعدين إنت مش واثق فيَّ يا "كريم".

- لأ .. مش واثق ف اللي حواليكي .. ولا ف الناس اللي ح يتكلّموا لمّا يشوفوكي داخلة البيت لوحدِك متأخّر كده.

- لأ .. ما هو الدكتور "حسن" وصّلني بعربيته.

- كمان! .. يا ليلة كوبيا .. ده عذر أقبح من ذنب.

- ما تقلقش .. مراته كانت معاه وهوَّ بيوصّلني وطلعت م العربيّة سلّمت عليَّ وباستني قُدّام كل الناس علشان ما حدّش يظن حاجة .. ثمّ إن حسن ده أصغر مني بسبع سنين .. ده بيساعدني ف العمليّات وعلى فكرة إنسان محترم جداً.

- آآآآ .. ولو .. برضه ما يصحّش تعملي كده.

- إنت عارف إني مبسوطة قوي؟

- طبعاً .. علشان حرقتي دمّي.

- علشان شكلك بيبقى حلو لمّا بتبقى متنرفز.

- أيوه ايوه .. اضحكي على دقني بقى وخديني بالحبّتين بتوعِك دول.

- وعلشان انت لسّه بتغير عليّ وبتحبّني زي زمان .. وانا كمان باموت فيك.

- يا سلام يا اختي!

- واللهِ العظيم باموت فيك .. وانت؟

- طبعاً باحبك يا "بسمة" بس خايف عليكي .. خصوصاً وانا ف الظروف دي.

- ششششش .. ما تقولش ظروف .. ما لك؟ .. ما انت زي الفل أهُه .. إن شاء الله أزمة وح تعدّي .. بس انت خلّي أملك ف ربّنا كبير.

- ونِعمَ بالله .. ما هو ده اللي مصبّرني ومخلّيني عايش لحد ده الوقت .. أنا مش عارف لو فضلت كده ح اعمل إيه .. ده الموت أريح لي.

- إخص عليك ما تقولش كده .. ده احنا من غيرك ما نسواش حاجة.

- ده انا اللي مش عارف من غيرِك كنت ح اعمل إيه .. بس انا تعبتِك قوي معايا.

- ما تقولش كده .. أنا يعني باعمل إيه .. ما كل زوجة بتعمل كده.

- ده انتي اللي بتصرفي ع البيت ومخليّة بالِك من كل حاجة .. ده غير العيّلين وتعبهم .. والعيّل التالت اللي زي الشحط .. اللي ربنا بعتهولِك على آخر الزمن.

- وما له .. ما انا حسّة إنك ابني الأولاني مش التالت .. من ساعة ما اتجوّزنا.

- ربنا يخلّيكي ليّ وما يحرمني منِّك.

وحدث أيضاً في يومٍ آخر أن طلب منها "كريم" فنجاناً من القهوة ولكنها تأخّرت عليه نظراً لمشاغلها العديدة فهاجمها بعنف وقد علا صوته :

- إنتي يا هانم يا اللي اسمِك "بسمة".

- نعم يا "كريم".

- فين القهوة الزيادة اللي قلت لِك عليها؟

- حالاً .. ح انزل اجيب له قهوة طازة من تحت.

- وما جيبتيش ليه؟ .. ده انا قايل لِك من ساعة.

- ده انت ما كمّلتش تِلت ساعة .. أصلي قلت أحط غسيل العيال ف الغسّالة وابرمجها واسيبها تغسل علشان لمّا ارجع من تحت تكون خلّصت .. علشان اكسب وقت قبل العيادة.

- وانا اتحرق بقى لغاية ما تخلّصي كل اللي وراكي!

- معلهش .. حالاً أهُه.

- ح ترجعي بقى لأيّام زمان .. ما هو انتي من ساعة ما جبتي العيال وانتي مش مهتمّة بيَّ وبطلباتي .. خلاص ما انا ما بقى ليش لازمة ف البيت .. تلاقيكي بتقولي عليَّ كمالة عدد.

- ح ترجع تغير تاني م العيال يا "كريم" .. ما هم عيالك برضه يا أخي .. وبعدين يتقطع لساني لو قلت عليك كمالة عدد .. ده انت الأصل يا جميل .. خلاص بقى روّق .. ماشي؟

- ..........

- طب يا رب اموت لو ما كنتش ترد عليَّ.

- طيّب خلاص.

- لأ مش حلوة .. رُد عليَّ بنِفس .. مش ح اسيبك إلّا امّا تضحك.

- أضحك على إيه؟ .. إنتي عبيطة.

- كده .. طب مش ح اجيب لك الحاجة اللي كان نِفسك فيها.

- مش عايز.

- كدهو .. خلاص مش ح اجيب لك بسبوسة بالقشطة .. ها .. مش عايز تضحك برضه .. شكلك كده ما بتيجيش إلّا بالزغزغة .. خُد بقى.

- بس .. ههه .. بس يا "بسمة" .. هههههه .. بس يا شيخة بقى .. ها ها هههههههه.

- أيوه كده .. الشمس بتطلع لمّا بتضحك .. حالاً القهوة ح تبقى عندك.

وهكذا أبحرت بهما سفينة حبّهما في خِضم بحر الحياة الهادر ما بيْن سكينةٍ واضطراب وظلّت "بسمة" تعطي بلا حساب حتى بدأ "كريم" في التحسّن باطّراد، وبعد أقل من سنة أثمرت جهود زوجته وجهود الأطبّاء وقبلهما استجابة الله الجوّاد واسع العطاء فشُفي تماماً من عِلّته وعاد لعمله وحياته كما كان شاكراً لفضل زوجته ومعترفاً بجميلها، ولكنه - كبقية الرجال - تكتنفه أحيانٌ كثيرة من الأنانية وحب الذات ويتمنّى أن تتفرّغ له بالكامل "بسمة" التي عادت لتولي اهتمامها الأساسي - كأي زوجة مصريّة أو عربيّة - بأولادها ومنزلها وعملها بعد أن اطمأنّت من أنها أوصلت زوجها لبر الأمان فأصبح لا يحتاج إلى عنايتها كما كان.

google-playkhamsatmostaqltradent