خبر
أخبار ملهلبة

لقاء مع "محمد علي" (3) | مبررات وتفاصيل مذبحة القلعة

 

رؤوس المماليك مقطوعة وملقاة على الأرض أو معلقة على أبواب القلعة


لقاء مع "محمد علي" (3) 

 


-  أبداً كل ما فعلت هو أنني أمرت "محمد بك لاظ أوغلي" الشهير بـ"لاظوغلي" بإعداد مهرجان ضخم في قلعة "صلاح الدين الأيوبي" للاحتفال بإلباس ابني "أحمد طوسون" باشا خُلعة القيادة تمهيداً لإرساله للحجاز على رأس حملةٍ عسكرية لمحاربة "محمد بن عبد الوهاب" والقضاء على حركته الوهابيّة السلفيّة في "نجد" .. وأمرت "لاظوغلي" كذلك باستغلال الفرصة ودعوة المماليك أيضاً والترتيب لاغتيالهم فلبّوا الدعوة ولبسوا أفخر الملابس .. وكان عدد الحضور حوالي عشرة آلاف شخص من كبار القوم ومختلف الطوائف .. ولمَّا تقلد الأمير طوسون الخُلعة تحرّك الموكب وفي مقدمته الفرسان يقودهم "أوزون علي" ويتبعهم والي الشرطة والآغا محافظ "القاهرة" والمحتسب ويليهم الجنود الأرناؤوط بقيادة "صالح آق قوش" وسار ورائهم المماليك يتقدمهم "سليمان بك البوّاب" ومن بعدهم بقية الجنود ثم باقي المدعوين وأرباب المناصب .. وكان الموكب يسير بانحدار إلى باب"العزب" وهو أحد أبواب القلعة .. فلمَّا اجتاز طليعة الموكب ووالي الشرطة والمحافظ باب "العزب" ارتج الباب الكبير وأُقفل من الخارج في وجه المماليك وتحول الجنود بسرعة عن الطريق وتسلقوا الصخور على الجانبيْن وراحوا يمطرون المماليك بوابلٍ من الرصاص فساد الهرج والمرج وحاول المماليك الفرار لكن قُتِل أغلبهم بالرصاص حتى امتلأ فناء القلعة بالجثث ومن نجا منهم من الرصاص ذُبِحَ على أيدي الجنود حتى سالت دماؤهم الغزيرة على أرض حارات الحي المقابل لباب "العزب" واستغرق الناس فترةُ طويلة للتخلص من آثار هذا الدم ولهذا أسموه حي "الدرب الأحمر" .. ولم ينجُ من المماليك الأربعمائة والسبعين الذين دخلوا القلعة في صبيحة ذلك اليوم إلا واحدٌ يسمى "أمين بك" أو "مراد بك" لا أذكر فقد كان في مؤخرة الصفوف واستطاع أن يقفز بجواده من فوق سور القلعة وهرب بعد ذلك إلى الشام .. وعندما وصل خبر تلك المذبحة إلى الجماهير المحتشدة في الشوارع لمشاهدة الموكب سرى الذعر بينهم وتفرق الناس وأقفلت الدكاكين والأسواق وهرع الجميع إلى بيوتهم وخلت الشوارع والطرقات من المارة .. وسرعان ما انتشرت جماعاتٌ من الجنود الأرناؤوط في أنحاء القاهرة يفتكون بكل مَن يلقوْنه من المماليك وأتباعهم الذين تخلّفوا عن حضور المهرجان فاقتحموا بيوتهم ونهبوا ما وصلت إليه أيديهم وتجاوزوا بالقتل والنهب إلى البيوت المجاورة .. وسادت الفوضى ثلاثة أيام قُتل خلالها نحو ألفٍ من المماليك ونُهب خمسمائة بيت ولم يتوقف السلب والنهب إلا بعد أن نزلت أنا بجنود "المفرزة" المختارين إلى شوارع المدينة وتمكنت معهم من السيطرة على الأرناؤوط وأعدت الانضباط وأمرت بقطع رؤوس من استمروا في النهب والاعتداء ونبَّهت على الأرناؤوط بأن يقتصروا على القبض على المماليك الذين بقوا أحياء .. ثم كلّفت "كتخدا بك" بقطع رؤوسهم وتعليقها على باب مسجد "الحسين" .. وأخيراً أخذت أبناء المماليك وألحقتهم بخدمتي مع باقي مماليك الأسرة وزوّجت نساءهم لضبّاط جيشي وأتباعي .. هذا كل ما حدث.

-  صلاة النبي أحسن .. روح يا شيخ إلهي يطلع بوزك وتروح جهنم راكب صاروخ.

-  نعم؟

-  لا شيء .. لا شيء .. وماذا عن مذبحة المماليك الثانية؟

-  تلك لم أقم بها أنا بل فعلها ابني "إبراهيم" باشا .. فقد هرب باقي المماليك إلى "النوبة" و"دنقلة" والتمسوا المأوى لدى قبائل "البشاريّة" و"العبابدة" في الجبال .. وقد خرج "إبراهيم" باشا في إثْرهم وأرسل لهم من طرفه مندوبين ليعرضوا عليهم الصلح وأكّد لهم أنه سيبقي على حياتهم ووعدهم بأعلى المناصب وبرد ممتلكاتهم التي صودرت ونُهبت شريطة أن يعترفوا "بمحمد علي" والياً على "مصر" ويتوقفوا عن منازعته الحكم وعن التدخّل في شؤونه .. وقد صدّق أربعمائة مملوك هذه الوعود الزائفة خصوصاً بعد أن نالهم الإرهاق واستُنزِفوا من كثرة الأموال التي كانوا يدفعونها للقبائل التي كانت تأويهم .. فنزلوا من الجبال وتوجهوا للباشا في أواخر شهر مايو عام  1812 حيث كان يقيم في قلعة الأشراف قرب "إسنا" ليتمّموا التسوية بينهم ويوقعوا على اتفاقية الصلح .. فجمعهم أعوان الباشا في فناء القلعة وانتظر ابني الباشا بعض الوقت حتى تأكّد من عدم قدوم المزيد من المماليك فأشاح بوجهه ناحية أعوانه وعبر إشارة العيون أصدر لهم أمره بالإجهاز على هذه الشتات الباقية من المماليك فتم ذبحهم بلا رحمة وبدمٍ بارد ليلقوا مصير إخوانهم الفاسقين غير مأسوفٍ عليهم إلى حيث ألقت.

-  حقيقةً .. لا أجد ما أعلّق به على كلامك .. سأتركك الآن وأعود أدراجي .. ولكن احذر مني المرة القادمة فلن أرحمك.

ولم أنتظر رد الوالي الكبير وتركته فاغراً فاه يسبح في بحرٍ من التساؤلات فدخلت آلة "الزمكان" وضبطت مؤشريْها على الوقت والمكان الحالييْن، وبعد أن وصلت غرفتي أسرعت بخلع ملابسي وإزالة تنكّري وكتبت هذا الحوار الذي كان قبل أن أنسى تفاصيله، وبعد أن انتهيْت قفزت داخل فراشي وغرقت في سباتٍ عميق.  

google-playkhamsatmostaqltradent